فصل: 1117 إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن علي بن عبد الله بن إسماعيل بن ميمون

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: طبقات الشافعية الكبرى **


1095 محمد بن محمود بن محمد بن عباد أبو عبد الله القاضي شمس الدين الأصبهاني

شارح المحصول

كان إماما في المنطق والكلام والأصول والجدل فارسا لا يشق غُباره متدينا لبيبا ورِعا نزها ذا نعمة عالية كثير العبادة والمراقبة حسن العقيدة

خرج من أصبهان شابا ودخل بغداد فاشتغل بها ثم قدم حلب وولي القضاء بمنبج ثم قدم القاهرة فولاه قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز قضاء قوص فباشرها مباشرة حسنة

وكان مهيبا قائما في الحق على أرباب الدولة يخافونه أتم الخوف بلغني أن الحاجب بمدينة قوص تعرض إلى بعض الأمور الشرعية فطلبه وضربه بالدرة ولم ينتطح فيها عنزان

وكان وقورا في درسه أخذ عنه العلم جماعة وذكروا أن شيخ الإسلام تقي الدين القشيري كان يحضر درسه بقوص وكان من دينه أن الطالب إذا أراد أن يقرأ عليه الفلسفة ينهاه ويقول لا حتى تمتزج بالشرعيات امتزاجا حقيقيا جيدا فلله دره

و شرحه للمحصول حسن جدا وإن كان قد وقف على شرح القرافي وأودعه الكثير من محاسنه لكنه أوردها على أحسن أسلوب وأجود تقرير بحيث إنك ترى الفائدة من كلام القرافي وإن كان هو المبتكر لها كالعجماء وتراها من كلام هذا الشيخ الأصبهاني قد تنقحت وجرت على أسلوب التحقيق ولكن الفضل للقرافي

وللأصبهاني أيضا كتاب القواعد مشتمل على الأصلين والمنطق والخلاف

دخل القاهرة بعد قضاء قوص ودرس بالمشهد الحسيني وأعاد بالشافعي ولما ولي الشيخ تقي الدين القشيري تدريس الشافعي عزل نفسه من الإعادة وبلغني أنه قال بطن الأرض خير من ظهرِها ونحن نقيم عذره من جهة مشيخته وقدم هجرته وإلا فحقيق به وبأمثاله الاستفادة من إمام الأئمة الشيخ تقي الدين

وبلغني أنه حين فر من قوص إلى مصر اقترض عشرين درهما حتى تزود بها

وسمعت الشيخ الإمام الوالد يحكى أنه قال في الاستدراك مرة وائل بن حجر بفتح الحاء والجيم فقلت له حجر بضم الحاء وإسكان الجيم فقال حجر حجر صحابي والسلام

وحضر إليه في قوص طالب يشكو على شاعر هجاه وسأل منه تعزيره فقال أخشى يبغى يعني يهجوني أيضا

وكان يعتقد كرامات الأولياء قال له مرة بعض الطلبة يا سيدي أيصح أن في هذه الأمة من يمشي على الماء ويطير في الهواء فقال يا بني هذه الأمة أكرمها الله بنبيها فانف عن أوليائها مقام النبوة والرسالة وأثبت ما شئت من الخوارِق

ولد بأصبهان سنة ست عشرة وستمائة وتوفي بالقاهرة في العشرين من رجب سنة ثمان وثمانين وستمائة

فصل يشتمل على عقيدة مختصرة من كلامه مع الإشارة فيها إلى الأدلة وهي

الحمد لله حق حمده وصلواته على محمد عبده ورسوله

العالم الخالق واجب الوجود لذاته واحد عالم قادر حي مريد متكلم سميع بصير

فالدليل على وجوده الممكنات لاستحالة وجودها بنفسها واستحالة وجودها بممكن آخر ضرورة استغناء المعلول بعلته عن كل ما سواه وافتقارِ الممكن إلى علته

والدليل على وحدته أنه لا تركيب فيه بوجه وإلا لما كان واجب الوجود لذاته ضرورة افتقاره إلى ما تركب منه ويلزم من ذلك أن لا يكون من نوعه اثنان إذ لو كان للزم وجود الاثنين بلا امتياز وهو محال

والدليل على علمه إيجاده الأشياء لاستحالة إيجاد الأشياء مع الجهل بها

والدليل على قدرته أيضا إيجاده الأشياء وهي إما بالذات وهو محال وإلا لكان العالم وكل واحد من مخلوقاته قديما فتعين أن يكون فاعلا بالاختيار وهو المطلوب

والدليل على أنه حي علمه وقدرته لاستحالة قيام العلم والقدرة من غير حي

والدليل على إرادته تخصيصه الأشياء بخصوصيات واستحالة التخصيص من غير مخصص

والدليل على كونه متكلما أنه آمر ناه لأنه بعث الرسل عليهم السلام لتبليغ أوامره ونواهيه ولا معنى لكونه متكلما إلا ذلك

والدليل على كونه سميعا بصيرا السمعيات

والدليل على نبوة الأنبياء عليهم السلام المعجزات وعلى نبوة سيدنا محمد المعجز نظمه ومعناه

ثم نقول كل ما أخبر به محمد من عذاب القبر ومنكر ونكير وغير ذلك من أحوال يوم القيامة والصراط والميزان والشفاعة والجنة والنار فهو حق لأنه ممكن وقد أخبر به الصادق فيلزم صدقه والله الموفق

1096 محمد بن معمر بن عبد الواحد بن رجاء القرشي العبشمي

الفقيه المحدث مخلص الدين أبو عبد الله بن الحافظ أبي أحمد بن الشيخ أبي القاسم ابن الفاخر الأصبهاني

ولد في جمادى الآخرة سنة عشرين وخمسمائة

وحضر على فاطمة الجوزدانية وجعفر بن عبد الواحد الثقفي وإسماعيل بن الإخشيد

وسمع من سعيد بن أبي الرجاء الصيرفي وإسماعيل بن أبي صالح المؤذن وزاهر الشحامي وخلق

روى عنه ابن خليل والضياء وغيرهما

قال ابن النجار كان حسن المعرفة بمذهب الشافعي له معرفة بالحديث ويد باسطة في الأدب وتفنن في كل علم يكتب خطا حسنا وكان من ظراف الناس ومحاسنهم ثقة متدينا له مكانة رفيعة عند الملوك

خرج إلى شيراز فتوفي بها في ربيع الأول سنة ثلاث وستمائة

1097 محمد بن ناماور بن عبد الملك القاضي أفضل الدين الخوَنجي

ولد في جمادى الأولى سنة تسعين وخمسمائة

وله اليد الطولى في المعقولات وهو صاحب الموجز في المنطق وغيره

ولي قضاء قضاة القاهرة

وكان كثير الإفكار بحيث يستغرق وقتا صالحا في ذلك حكي عنه أنه فكر في مجلس السلطان ثم خشي الإنكار فقال أنا فكرت في هذا الفراش فظهر لي أنه إذا فُرِش على هيئة كذا توفر بساط ففعل ما قال فتوفر بساط

ودرس بالمدرسة الصالحية بالقاهرة وغيرها

توفي في الخامس من شهر رمضان سنة ست وأربعين وستمائة ودفن بسفح المقطم

ورثاه عز الدين الإربلي بقصيدة أولها

قضى أفضل الدنيا نعم وهو فاضل ** ومات بموت الخونجي الفضائل

1098 محمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن يحيى بن بندار بن مميل بفتح الميم ومعناه محمد القاضي شمس الدين أبو نصر بن الشيرازي

ولد في ذي القعدة سنة تسع وأربعين وخمسمائة

وأجاز له أبو الوقت السجزي ونصر بن سيار الهروي وآخرون وسمع من أبي يعلى بن الحبوبي والصائن هبة الله بن عساكر وأخيه الحافظ أبي القاسم وخلائق

وطال عمره وتفرد عن أقرانه

روى عنه المنذري وابن خليل والبرزالي والشرف ابن النابلسي والجمال ابن الصابوني وأبو الحسين بن الزينبي وأحمد بن هبة الله بن عساكر وخلائق

وتفرد بالحضور عليه حفيده أبو نصر محمد بن محمد وأبو محمد القاسم بن عساكر

ولي قضاء القدس ثم قضاء الشام استقلالا بمدرسة العماد الكاتب ثم تركها ثم ولي تدريس الشامية البرانية

وكان موصوفا بالرِئاسة والنبل ونفاذ الأحكام وعدم المحاباة

قال شيخنا الذهبي أخذ الفقه عن القطب النيسابوري وابن أبي عصرون فيما أرى

توفي في جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وستمائة

1099 محمد بن واثق بن علي بن الفضل بن هبة الله قاضي القضاة محيي الدين أبو عبد الله بن فضلان البغدادي

مدرِس المستنصرية

وقد ولي قضاء القضاة للإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين رضي الله عنه في آخر دولته

ولد سنة ثمان و ستين وخمسمائة

وتفقه على والده العلامة أبي القاسم بن فضلان ورحل إلى خراسان وناظر علماءها

وكان عارفا بالمذهب والخلاف والأصول والمنطق موصوفا بحسن المناظرة ودرس بالنظامية

وسمع من أصحاب أبي القاسم بن بيان الرزاز وأبي طالب الزينبي

توفي في شوال سنة إحدى وثلاثين وستمائة

1100 محمد بن يحيى بن مظفر بن علي بن نعيم

القاضي أبو بكر البغدادي ابن الحبير بضم الحاء المهملة

ولد سنة تسع وخمسين وسمع من شهدة وأبي الفتح بن المني وعبد الله بن عبد الصمد السلمي وغيرِهم

روى عنه ابن النجار وأبو الحسن العراقي وغيرهما ومشايخ شيوخنا

وكان إماما عارفا بالمذهب دينا خيرا وقورا كثير التلاوة له اليد الطولى في الجدل والمناظرة صاحب ليل وتهجد

تفقه على الشيخ المجير البغدادي وأبي المفاخر النوقاني وناب في القضاء عن أبي عبد الله بن فضلان

وكان أولا حنبلي المذهب ثم انتقل ودرس في النظامية

توفي في سابع شوال سنة تسع وثلاثين وستمائة

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ إذنا خاصا أخبرنا عبد الله بن أحمد العلوي أخبرنا أبو بكر محمد بن يحيى الفقيه أنبأتنا شهدة أخبرنا طراد أخبرنا هلال أخبرنا ابن عياش القطان حدثنا أبو الأشعث حدثنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر أن رجلا أتى المسجد والنبي يخطب يوم الجمعة فقال له النبي أصليت يا فلان قال لا قال قم فاركع

1101 محمد بن يونس بن محمد بن منعة بن مالك الشيخ عماد الدين بن يونس الإربلي

أحد الأئمة من علماء الموصل يكنى أبا حامد

ولد سنة خمس وثلاثين وخمسمائة

وتفقه بالموصل على والده ثم رحل إلى بغداد فتفقه بها على السديد السلماسي وأبي المحاسن يوسف بن بندار الدمشقي وسمع الحديث من أبي حامد محمد بن أبي الربيع الغرناطي وعبد الرحمن بن محمد الكشميهني

وعاد إلى الموصل ودرّس بها في عدة مدارس وعلا صيته وشاع ذكره وقصده الفقهاء من البلاد

وصنف المحيط في الجمع بين المهذب والوسيط وشرح الوجيز وصنف جدلا وسماه التحصيل و عقيدة لا بأس بها

قال ابن خلكان كان إمام وقته في المذهب والأصول والخلاف وكان له صيت عظيم في زمانه وكان شديد الورع والتقشف فيه وسوسة لا يمس القلم للكتاب إلا ويغسل يده ولم يرزَق سعادة في تصانيفه فإنها ليست على قدر فضائله

قال وتوجه رسولا إلى الخليفة غير مرة وولي قضاء الموصل خمسة أشهر ثم عُزل فولي بعده ضياء الدين القاسم بن يحيى الشهرزوري

توفي بالموصل في سلخ جمادى لآخرة سنة ثمان وستمائة

ومن المسائل والفوائد عنه

تقسيم أظنه من صنعته أدلة الشرع منحصرة في النص والإجماع والقياس وإنما قلنا ذلك لأن الحكم المدعى لا يخلو إما أن يكون مستفادا من نقل أو لا من نقل فإن كان فلا يخلو إما أن يكون بواسطة أهل الحل والعقد أو لا فإن كان فهو المسمى إجماعا وإن لم يكن فهو المسمى نصّا وإن لم يكن مستفادا من نقل فلا يخلو إما أن يكون مستفادا من معنى معقول أو لا فإن كان فلا يخلو إما أن يكون ذلك المعنى راجعا إلى أحد هذين القسمين أو لا فإن كان راجعا فهو المسمى قياسا وإن لم راجعا كان مناسبا مرسًلا وهو غير معمول به عندنا وعندهم وإن لم يكن لا من نقل ولا معنى معارَض من جانب وجوده وعدمه فلا يثبت فثبت أن الأدلة منحصرة في النص والإجماع والقياس

نكاح الجنية

قال الشيخ نجم الدين القمولي في شرح الوسيط إنه حكى عنه أنه كان يجعل من موانع النكاح اختلاف الجنس ويقول لا يجوز للآدمي أن ينكِح الجنية

قال القمولي وفيه نظر

قال الأصحاب الأفضل تقديم الغائبة على الحاضرة إلا إذا ضاق وقتُ الحاضرة ويحرِم بها

زاد صاحب التعجيز قبل باب شروط الصلاة أو أدرك جماعة وعلله في شرحه بخشية فوات الجماعة قال وهذا قاله جدي

قلتُ وسبقه إليه الغزالي فقال في الباب السادس من باب أسرار الصلاة من كتاب إحياء علوم الدين فقال من فاته الظهر إلى وقت العصر فليصل الظهرَ أولا ثم العصر إلى أن قال فإن وجد إماما فليصل العصر ثم ليصل الظهر بعده فإن الجماعة بالأداء أولى انتهى

وهو خلاف المجزوم به في زيادة الروضة قبل الباب الخامس في شروط الصلاة فإنه قال ولو تذكَّر فائتة وهناك جماعة يصلون الحاضرة والوقتُ متِّسِع فالأولى أن يصلي الفائتة أولا منفردا لأن الترتيب مختلفٌ في وجوبه والأداء خلف القضاء مختلفٌ في جوازِه فاستُحِب الخروج من الخلاف انتهى

ومن أجله والله أعلم غير القاضي شرف الدين البارزي في كتاب التمييز عبارة التعجيز فإن عبارة التعجيز أو أدرك جماعة وعبارة التمييز قيل أو أدرك جماعة فكأنه لما وجد ما نقله ابن يونس عن جده خلاف المجزوم به في الروضة زاد لفظة قيل لينبه على ضعفه وقد بينا أن الغزّالي سبقه إليه وله اتجاه ظاهر وعلى القاضي شرف الدين مؤاخذة فإن قوله قيل كما يشير به إلى ضعف المقول كذلك يشير به إلى أنه وجه كما ذكره في خطبته ومن أين له أنه وجه في المذهب وهل عنده غير كلام الشيخ العماد وليس من أصحاب الوجوه وما أظنه وقف على كلام الغزّالي وبالجملة كلام ابن يونس متّجه ظاهر وقد تأيد بكلام الغزّالي والقلب إليه أميل منه إلى ما في الروضة

نقل صاحب التعجيز في كتاب نهاية النفاسة عن جده الشيخ عماد الدين أنه لا يرى قطع السارق باليمين المردودة لأنه حق الله تعالى فأشبه حد مكرِه الأمة على الزنا

قلتُ وهو الذي يظهر ترجيحه وعزاه الرَّافِعي إلى ابن الصباغ وصاحب البيان وغيرهما وذكر أن لفظ المختصر يدل له

سئل الشيخ عماد الدين عمن له أب صحيحٌ قوي فقيرٌ لا تجب نفقته هل يجوز أن يدفع له من سهم الفقراء في الزكاة فأجاب النقل أنه لا يجوز وأجاب أخوه الشيخ كمال الدين بالجواز

1102 محمد بن أبي بكر بن علي الشيخ نجم الدين بن الخبَاز الموصلي

1103 محمد بن أبي بكر بن محمد الفارسي الشيخ شمس الدين الأيكي

1104 محمد بن أبي فراس

1105 محمد بن أبي الفرج بن معالي بن بركة بن الحسين أبو المعالي الموصلي

قال ابن النجار تفقه بالمدرسة النظامية حتى برع في الخلاف والفقه والأصول وصار أحد المعيدين بها

سمع بالموصل من خطيبها أبي الفضل عبد الله الطوسي

مولده في ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وخمسمائة ومات في شهر رمضان سنة إحدى وعشرين وستمائة

1106 إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بن علي بن جماعة ابن حازم بن صخر الكناني الحموي برهان الدين

فقيه صوفي

ولد بحماة في منتصف رجب سنة ست وتسعين وخمسمائة

وسمع فخر الدين بن عساكر وغيره ودرَّس

وكانت له عبادة ومراقبة

قصد التوجُّه إلى القدس وأخبر أنه لا يعود فمضى إلى القدس ومات في يوم الأضحى سنة خمس وسبعين وستمائة

1107 إبراهيم بن عبد الله بن عبد المنعم بن علي بن محمد ابن فاتك بن محمد بن أبي الدم القاضي أبو إسحاق

ولد بحماة في حادي عشرين جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة

ودخل بغداد فسمع بها من ابن سكينة وغيره وحدث بحلب والقاهرة

وله شرح الوسيط وكتاب أدب القضاء وتاريخ

توفي في منتصف جمادى الآخرة سنة اثنتين وأربعين وستمائة

ذكر ابن أبي الدّم أن الشاهد إذا كان مستندُه في شهادته الاستفاضة حيث صارت الشهادة بها فبين ذلك وقال مستندي الاستفاضة لا تُسمع شهادته على الأصح وهذا خلاف غريب

وقد قال الرافعي في الجرح إذا جازت الشهادة فيه بالاستفاضة إن الشاهد يبين ذلك فيقول سمعتُ الناس يقولون فيه كذا لكن ذكر الرافعي في الشهادة بالملك أنه تجوز الشهادة فيه بالاستفاضة فلو بين ذلك فقال أشهدُ له بالملك استصحابا فقطع القاضي بالقبول والغزّالي بالمنع وهذا شاهد للخلاف الذي حكاه ابن أبي الدّم

وللوالد رحمه الله على المسألة كلام نفيس ذكره في فتاويه وذكرناه نحن مع زياداتٍ عليه في كتاب ترشيح التوشيح

مسألة الشهادة بالإقرار

قال ابن الرِّفعة قد اشتدّ نكيرُ ابن أبي الدم على من يقول وقد تحمل الشهادة بالإقرار أشهد على إقرار فلان بكذا وإنما يقول أشهدُ على فلان بأنه أقرَّ بكذا لأن إقرار زيد ليس بمشهودٍ عليه بل زيد هو المشهود عليه لأنه المقرُّ

وقد أجيب بأن ذلك جائزٌ أيضا قال الله تعالى ‏{‏قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ‏}‏ وقال على مثْل هذا فاشُهدْ

قال ابن الرِّفعة وفي كلام الشافعي نظيرُ ذلك وقوله حجة في اللغة كما قال الأزهري

1108 إبراهيم بن عبد الوهاب بن أبي المعالي الزنجاني

من أصحابنا له شرح على الوجيز مختصر من شرح الرافعي سماه نقاوة العزيز وفي خطبته يقول مشيرا إلى الرافعي وشرحه جمع بعض أئمة العصرِ مجموعا حاويا لجميع أنواع المطالب شاملا لجملة أصناف المذاهب فأتى بما ينادى على رؤوس الأشهاد بجودة قريحته وحدة ذكائه وفطنته ووفور فضله وغزارة علمه فإنه جاء باليد البيضاء والحجة الزهراء والمحجة الغراء حائزا به قصب السبق وآتيا بما لم يستطعه الأوائل لكنه صرف الله عين الكمال عنه قد بسط فيه الكلام بسطا أربى على همم أهل الزمان وكاد يفضي به وبالناظر فيه إلى الملال

إلى أن يقول أردت اختصاره بعض اختصار مع جواب ما أزيده من السؤالات والإشارة إلى حل بعض ما وجه عليه من الإشكالات

إلى أن يقول وكان حفظه الله سمى شرحه العزيز فسمينا شرحنا هذا نقاوة العزيز

وكلامه هذا يقتضي أنه بدأ في تصنيفه في حياة الرَّافعي والنسخة التي وقفتُ عليها من هذا الشرح بخطِّ المصنف وذكر في آخره أنه فرغ منه في شعبان سنة خمس وعشرين وستمائة

قال في هذا الشرح في كتاب البيع عند ذكرِ المعاطاة مثَّلوا المحقرات بالباقة من البَقْل والرِّطل من الخبز وقيل ما دون نصابِ السرقة وقيل يرجع فيه إلى العُرف

وأقول لو ضبط بما يأنف أوساط الناس المكاسَ في بيعه وشرائه لم يكن بعيدا

قلتُ والقول بتقديره بما دون نصاب السرقة هو الوجه الذي ذكر الرَّافعي أنه الأشبه وما ذكره هذا الشارح من الضَّبطِ يؤُول إلى الرجوع إلى العرف

1109 إبراهيم بن علي بن محمد السُّلمي المغربي

الحكيم القطب المصري الإمام في العقليات

رحل إلى خراسان إلى حضرة الإمام فخر الدين الرازي وقرأ عليه وصار من كبار تلامذته وشرح كليات القانون وصنف كتبا كثيرة

ولا يعتبر بكلام أبي علي بن خليل السَّكوني المغربي صاحب كتاب التمييز الذي صنفه على كشاف الزمخشري حيث تكلم في هذا الشيخ القطب المصري وسمَاه قطبَ الدين الكوفي وهو إنما تكلم فيه بعد ما تكلم في الإمام نفسه فكلامه في حق الإمام مردود وهو وبال عليه وقد عاب الإمام بما لا يعاب به عالم فإنه جعل محطَّ كلامه دائرا على أن الإمام دأبُه اعتراضُ كلام الأئمة المتقدمين كالشيخ أبي الحسن الأشعري شيخ السُّنة والقاضي أبي بكر والأستاذ أبي إسحاق وابن فورك وإمام الحرمين ومثل هذا لا يعاب به العالم ثم ليس الأمر على ما ذكره من أن دأبَه اعتراضُهم وإنما هو بحرٌ لا ينزَف وذكي لا يلحَق فربما شكَّك على كلام هؤلاء على عادة العلماء والمغاربة لا يحتملون أحدا يعارض الأشعري في كلامه ولا يعترض عليه والإمام لا ينكر عظمة الأشعري كيف وهو على طريقته يمشي وبقوله يأخذ ولكن لم تَبرَح الأئمة يعترضُ متأخِّرُها على متقدمها ولا يشينه ذلك بل يزينه

قتل القطبُ المصري بنيسابور فيمن قتِل ظلما على يد التتار سنة ثمان عشرة وستمائة

1110 إبراهيم بن عيسى المرادي الأندلسي ثم المصري ثم الدمشقي

قال فيه النووي الفقيه الإمام الحافظ المتقن المحقق الضابط الزاهد الورِع الذي لم ترَ عيني في وقتي مثله

كان رحمه الله بارعا في معرفة الحديث وعلومه وتحقيق ألفاظه لا سيما الصحيحان ذا عناية باللغة والنحو والفقه ومعارف الصوفية حسن المذاكرة فيها وكان عندي من كبار المسلكين في طريق الحقائق حسن التعليم صَحبْتُه نحو عشر سنين لم أرَ منه شيئا يكره وكان من السماحة بمحل عال على قدرِ وُجدِه وأما الشفقة على المسلمين ونصيحتهم فقل نظيره فيهما

توفي بمصر في أوائل سنة ثمان وستين وستمائة

وهذا كلام النووي رضي الله عنه

1111 إبراهيم بن معضاد بن شداد بن ماجد الجعبَري

الشيخ الصالح المشهور بالأحوال والمكاشفات

مولده بجعبَر في سابع عشر ذي الحجة سنة تسع وتسعين وخمسمائة

وتفقه على مذهب الشافعي وسمع الحديث بالشام من أبي الحسن السَّخاوي وقدم القاهرة وحدث بها فسمع منه شيخُنا أبو حيان وغيرُه

وكان يعِظُ الناس ويتكلم عليهم وتحصل في مجالسه أحوال سَنية وتُحكى عنه كراماتٌ بهية

ومنعه قاضي القضاة ابن رزين مرّة من الكلام على الناس بسبب ألفاظٍ ذكِرت عنه ثم عاد إلى الكلام وظهرت براءتُه وحُسن اعتقاده وامتداد حاله

وكان أبو العباس العراقي ينكِر عيه إنكارا كثيرا وكانت في الشيخ حِدة وربما شتم في الوعظ ونال من بعض الحاضرين وطُلب مرة إلى مجلس بعض القضاة وادُّعي عليه بألفاظٍ قيل إنها بدرت منه فقال له القاضي أجِب فأخذ يقول شقع بقع يا الله بقع يكرِّر ذلك وخرج من المجلس عَجِلا لم يقدِر أحد أن يرُده فقام القاضي وركب بغلته فوقع وانكسرت يدُه

ومن شعر الشيخ إبراهيم الجعبري

وأفاضل الناسِ الكرام أبُوَّة ** وفتوَّة ممن أحبَ وتاها

عشِقوا الجمال مجرَّدا بمجرَّدِ الرُّوحِ ** الزكية عِشق من زكّاها

متجرِّدين عن الطِّباعِ ولؤمها ** متلبِسين عفافها ونقاها

في أبياتٍ كثيرة

ولما دنت وفاته جاء بنفسه إلى موضع يدفن فيه وقال هذا قبير جاءك دُبَير وتوفي عقيب ذلك يوم السبت رابع عِشري المحرم سنة سبع وثمانين وستمائة

1112 إبراهيم بن نصر بن طاقة المصري الحموي الأصل برهان الدين المعروف بابن الفقيه نصر

فقيه أديب رئيس وجيه

مولده سنة إحدى أو اثنتين وسبعين وخمسمائة

وأجاز له ابن الجوزي وجماعة وحدث سمع منه الحافظ المنذري وغيره

وولي نظر الأحباس بالديار المصرية ونظر الديوان بالأعمال القوصية

ومدح الملكَ الكامل بقصيدة مطلعها هذا

إليك وإلاَّ دُلني كيف أصنعُ ** وفيكَ وإلاَّ فالثناء مضيعُ

ومنك استفدنا كل مجدٍ وسؤدَدٍ ** وعنكَ أحاديثُ المكارِم تُسمعُ

ومن شعره رحمه الله

يا زماني كلما ** حاولتُ أمرا تتمنع

إن تعصَّبتَ فإن ** باصطباري أتقنَع

ومنه أيضا

وبقلبي من الهموم مديد ** وبسيطٌ ووافرٌ وطويل

لم أكن عالما بذاك إلى أن ** قطع القلبَ بالفِراق الخليل

وقال أيضا

أشكو إليك وأنتَ أرحم ** من شكوتُ إليه حالي

ضاقت علي ثلاثة ** رزقي وصدري واحتمالي

وعدِمتُ حُسن ثلاثة ** جَلدي وصبري واحتيالي

امتُحِن ابن الفقيه نصر في أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب وصودِر وسُلم إلى من عاقبه فضربه حتى مات في ليلة ثاني جمادى الأولى سنة ثمان وثلاثين وستمائة

1113 إبراهيم بن يحيى بن أبي المجد الأميوطي القاضي أبو إسحاق

مدرِّس الجامع الظَّافري بمصر كان فقيها كبيرا ولي القضاء ببعض أقاليم مصر وله شعرٌ لا بأس به

ولد في حدود السبعين وخمسمائة وتوفي سنة ست وخمسين وستمائة

1114 إسحاق بن أحمد المغربي

1115 أسعد بن محمود بن خلف بن أحمد بن محمد العِجلي

العلامة منتخب الدين أبو الفتوح بن أبي الفضائل الأصبهاني

من أئمة الفقهاء الوعّاظ

مولده في أحد الرَّبيعين سنة خمس عشرة وخمسمائة

وسمع الحديث من فاطمة الجوزدانية وأبي القاسم إسماعيل بن محمد بن الحافظ والقاسم بن الفضل الصيدلاني وابن البطر وغيرهم

أجاز له إسماعيل بن الفضل السَّرَّاج وغيره

روى عنه أبو نزار ربيعة اليمني وابن خليل والضياء محمد وآخرون

وكان أحد الفقهاء الأعيان

قال ابن الدُّبَيثي كان زاهدا له معرفة تامة بالمذهب وكان ينسخ ويأكل من كسب يده وعليه المعتمد في الفتوى بأصبهان انتهى

قلتُ ترك الوعظ في آخر عمره وجمع كتابا سماه آفاتُ الوعّاظ وله كتاب شرح مشكلات الوسيط والوجيز وكتاب تتمة التتمة وقد ذكره الرَّافعي في مسألة الدور من كتاب الطلاق

قال شيخنا الذهبي أجاز لابن أبي الخير والفخر علي

توفي في الثاني والعشرين من صفر سنة ستمائة

1116 أسعد بن يحيى بن موسى بن منصور بن عبد العزيز بن وهب السُّلمي المعروف بالبهاء السِّنجاري

شاعر فقيه تفقه على أبي القاسم بن فضلان ببغداد وأبي القاسم المجير وبالموصل على الحسين بن نصر وأبي الرضا سعيد بن عبد الله

1117 إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن علي بن عبد الله بن إسماعيل بن ميمون

الشيخ الإمام الورِع الزاهد الولي الكبير العارف قطبُ الدين الحضرمي شارح المهذب وله مصنفات غير ذلك كثيرة

قال الشيخ الحافظ عفيف الدين المطري أبقاه الله مصنفاته فيما يتعلق بالمذهب ببلاد اليمن شهيرة وكراماته ظاهرة كادت تبلغ التَّواتُر

سمع من الفقيه تقي الدين محمد بن إسماعيل بن أبي الصيف اليمني وأجاز له وسمع جماعة من أهل اليمن غيره

وتفقه به خلائق وروى عنه جِلة

قال وحدثنا عنه شيخنا شهاب الدين أحمد بن الفقيه بن أبي الخير بن منصور اليمني

قال وكأنه توفي في حدود سنة ست أو سنة سبع وسبعين وستمائة

قلتُ ومما حكي من كراماته واستفاض أنه قال يوما لخادمه وهو في سفر تقول للشمس لتقف حتى نصِل إلى المنزل وكان في مكان بعيد وقد قرُب غروبُها فقال لها الخادم قال لك الفقيه إسماعيل قفي فوقفت حتى بلغ مكانه ثم قال للخادم ما تطلق ذلك المحبوس فأمرها الخادم بالغروب فغَرَبت وأظلم الليل في الحال

وروي أنه مرَّ يوما على مقبرة ومعه جماعة فبكى بكاء شديدا ثم ضحك في الحال فسُئل عن ذلك فقال رأيتُ أهل هذه المقبرة يعذَّبون فبكيتُ لذلك ثم سألتُ ربي أن يشفِّعني فيهم فشفَّعني فقالت صاحبة هذا القبر -وأشار إلى قبرٍ بعيد العهد بالحفر- وأنا معهم يا فقيه إسماعيل أنا فلانة المغنية فضحكتُ وقلتُ وأنتِ معهم قال ثم أرسل إلى الحفَّار وقال هذا قبرُ من فقال قبرُ فلانة المغنية

1118 إسماعيل بن محمود بن محمد بن عباس بن أرسلان الكناني

1119 إسماعيل بن أبي البركات هبة الله بن أبي الرضا سعيد بن هبة الله بن محمد

الشيخ عماد الدين أبو المجد ابن باطيش الموصلي الفقيه المحدث اللغوي

صنف طبقات الفقهاء والمغني في شرح غريب المهذب والكلام على رجاله وكُناه

ولد سنة خمس وسبعين وخمسمائة

وسمع ببغداد من ابن الجوزي وأبي أحمد بن سُكينة وجماعة وبحلب من حنبل وبدمشق من الكندي وابن الحرستاني وغيرِهما وبحرَّان من الحافظ عبد القادر

روى عنه الدمياطي وابن الظاهري وطائفة

درّس بالنورية بحلب وغيرِها وكان من أعيان الفضلاء

توفي في جُمادى الآخرة سنة خمس وخمسين وستمائة

1120 أميري بن بختيار

الفقيه الزاهد أبو محمد قطب الدين الأشنهي نزيل إربِل

كان من الأئمة علما ودينا حدث عن عبد الله بن أحمد بن محمد الموصلي

وتوفي في جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وستمائة وله سبعون إلا سنة

1121 بَارَسْطغان بالباء الموحَّدة ثم ألف ساكنة ثم راء مفتوحة ثم سين مهملة ساكنة ثم طاء وغين ثم ألف ثم نون بن محمود بن أبي الفتوح الفقيه أبو طالب الحميري القوى

سمع بالإسكندرية من أبي الطاهر بن عوف وبدمشق من أحمد بن حمزة بن الموازيني

روى عنه الزكي المنذِري وغيرُه

ولي قضاء غزة من الشام ثم انتقل إلى إربِل فمات بها سنة ست عشرة وستمائة

1122 بشير بن حامد بن سليمان بن يوسف بن سليمان بن عبد الله الإمام نجم الدين أبو النعمان الجعفري التِّبريزي

ولد بأردُبيل في سنة سبعين وخمسمائة

وسمع من عبد المنعم بن كُليب ويحيى الثَّقفي وابن سُكينة وابن طَبَرْزَد وجماعة

روى عنه الحافظ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي وغيرُه

وكان قد تفقه ببغداد على أبي القاسم ابن فضلان ويحيى بن الربيع وبرع مذهبا وأصولا وخلافا وأفتى وناظر وأعاد بالنظامية وصنف تفسيرا في عدة مجلدات

وانتقل بالآخرة إلى مكة فجاور بها إلى أن مات في ثالث صفر سنة ست وأربعين وستمائة

1123 توران شاه بن أيوب بن محمد بن العادل

السلطان الملك المعظم غياثُ الدين ولدُ السلطان الملك الصالح نجم الدين كان فقيها شافعيا على قاعدة سلاطين بني أيوب أديبا شاعرا مجمعا للفضلاء

وكان صاحب حِصن كيفا مقيما بها فلما توفي الصالح جمع الأمير فخر الدين ابن الشيخ الأمراء وحلفهم لتوران شاه وكان بحصن كيفا فنفذوا في طلبه الفارس أقطايا فساق على البريد وأخذ به على البرِّية لئلاَّ يعترضَه أحد من ملوك الشام فكاد يهلك هو ومن معه من العطش وكانوا خمسين فارسا ساروا أولا إلى جهة عانة وعدوا الفرات وغرَّبوا على بئر السماوة ودخل دمشق بأبَهة السّلطنة ونزل القلعة وأنفق الأموال وأحبه الناس وأنشده بعض الشعراء قصيدة أولها هذا

قل لنا كيف جئت من حصن كيفا ** حين أرغمت للأعادي أنوفا

فأجابه السلطان على البديهة

الطريق الطريق يا ألفَ نحْسٍ ** مرّة آمنا وطورا مخوفا

فاستظرفه الناسُ واشتهر ذلك

ثم سار إلى الديار المصرية فاتَّفق كسرة الفِرنج خذَلهم الله عند قدومه ففرح الناس وتيمنوا بطلعته واستقرَّ في السَّلطنة فنفذت منه أمورٌ نفَّرت عنه القلوب منها إبعاد حاشية أبيه واللعبُ المفرِط وأشيع عنه الخمرُ والفساد والشباب والتَّعرُّض لحظايا أبيه وأنه كان يشرب ويجمعُ الشموعَ ويضربُ رؤوسها بالسيف ويقول هكذا أفعل بمماليك أبي فعملوا عليه فلما كان في اليوم السابع والعشرين من المحرم سنة ثمان وأربعين وستمائة ضربه بعض البحرية وهو على السِّماط فتلقى الضربة بيده فذهب بعض أصابعه فقام ودخل إلى برج من خشب كان قد عُمل له وصاح من جرحني فقيل بعض الحشيشية فقال لا والله إلاَّ البحرية والله لأقتُلنهم

وخيط المزين يده وهو يهددهم فقالوا وهم مماليكُ أبيه تمموه وإلا أبادنا فدخلوا عليه فهرب إلى أعلى البرج فرموا النار في البرج ورموا بالنشَّاب فرمى بنفسه وهرب إلى النيل وهو يصيح ما أريد ملكا دعوني دعوني أرجع إلى الحصن فما أجابه أحد وتعلق بذيل الفارس أقطايا فما أجابه وقتِل

وكان من أهل العلم على الجملة فقد بحث معه ابن واصل في قول ابن نباتة الحمد لله الذي إن وعد وفى وإن أوعدَ تجاوز وعفا بحثا طويلا دلّ على فضله وعلمه

1124 ثعلب بن عبد الله بن عبد الواحد

القاضي رضي الدين أبو العباس المصري الفقيه الخطيب

تفقه على شيخ الشيوخ أبي الحسن بن حمويه الجُويني

وولي القضاء بالجيزة والخطابة بالجامع المجاور لضريح الشافعي رضوان الله عليه

مات في ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وستمائة

1125 ثعلب بن علي بن نصر بن علي

أبو نصر البغدادي المعروف بابن المحَّارية وسمى نفسه نصرا

قال ابن النجار كان أحد الفقهاء على مذهب الشافعي وتولى الإعادة بمدرسة ابن المطَّلب وكانت له معرفة بالأدب وقد سمع الحديث من جماعة وما أظُّنه روى شيئا

بلغني أن مولدَه كان سنة أربع وخمسين وخمسمائة وتوفي يوم الجمعة لست عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ست وعشرين وستمائة ودفِن بباب حرب

1126 جامع بن باقي بن عبد الله بن علي التميمي أبو محمد الأندلسي

الفقيه قاضي إخميم

ولد بالجزيرة الخضراء من الأندلس ورحل فسمع من السِّلفي بالإسكندرية ومن الحافظ أبي القاسم وجماعة بدمشق

روى عنه ابن خليل والشهابُ القوصي وغيرُهما

مات بدمشق في سابع عشر ذي القعدة سنة اثنتين وستمائة

1127 جعفر بن محمد بن عبد الرحيم بن أحمد الشريف أبو الفضل صدر الدين الحسيني المصري الإمام ضياء الدين المعروف بابن عبد الرحيم

كان إماما عارفا بالمذهب أصوليا أديبا

أخذ الفقه عن الشيخ بهاء الدين القفطي والشيخ مجد الدين القشيري

وسمع الحديث من أبي الحسن علي بن هبة الله بن الجُميزي وأبي الحسين يحيى ابن علي العطار الحافظ وغيرهما

ورحل إلى دمشق فسمع من الحافظ زين الدين خالد وغيره

ثم عاد إلى القاهرة وولي قضاء قوص ثم وكالة بيت المال بالقاهرة وتدريس المشهد الحسيني بها واشتهر اسمه بمعرفة المذهب وبعُد صيتُه

مولده بِقنا سنة تسع عشرة أو ثمان عشرة وستمائة وتوفي سنة ست وتسعين وستمائة

حدّث عنه شيخنا أبو حيان النحوي وغيرُه

1128 جعفر بن مكي بن علي بن سعيد أبو محمد البغدادي

قرأ الفقه والخلاف والأصلين واشتغل بالأدب وسافر إلى الموصل فتفقه عند أبي حامد بن يونس ثم رد إلى بغداد وأقام بالنظامية ثم مدح أمير المؤمنين الناصر لدين الله وتسامت درجته إلى أن صار حاجبا

قال ابن النجار سألته عن مولده فقال في يوم عاشوراء سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة وتوفي يوم الاثنين ثاني صفر سنة تسع وثلاثين وستمائة

1129 جعفر بن يحيى بن جعفر المخزومي

الشيخ الإمام ظَهيرُ الدين التَّزْمنتي نسبة إلى تَزْمنت بفتح التاء المثناة من فوقها وهي من بلاد الصعيد

كان شيخ الشافعية بمصر في زمانه

أخذ عن ابن الجميزي وأخذ عنه فقيه الزمان ابن الرِّفعة وعم والدي الشيخ صدر الدين يحيى بن علي السُّبكي وخلائق

وله شرح مشكل الوسيط وقد سمع الحديث من فخر القضاة أحمد بن محمد ابن الجبَاب إلا أنه لم يقع لي حديثُه

مات سنة اثنتين وثمانين وستمائة

1130 حامد بن أبي العميد بن أميري القزويني

1131 الحسن بن علي بن عبد الله أبو عبد الله الشَّهرَزُوري

ذكر أنه ولد سنة ست عشرة وستمائة تقريبا وقدم بغداد وسمع من المؤتمن بن قميرَة وغرِه

وكان إماما عالما عاملا زاهدا

قال القرطبي أفتى عدة سنين قال وكان يحفظ كتاب المهذب للشيخ أبي إسحاق

توفي في ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين وستمائة

1132 الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله زين الأمناء أبو البركات ابن عساكر الدمشقي

أحد أئمة الإسلام علما ودينا وورعا وزهدا

ولد في سَلخ ربيع الأول سنة أربع وأربعين وخمسمائة

وسمع من عبد الرحمن بن الحسن الداراني وأبي العشائر محمد بن خليل وعمه الصائن هبة الله والحافظ أبي القاسم وأبي القاسم الحسن بن الحسين بن البُن والخضِر بن شِبل الحارثي وأبي النجيب السُّهرَوَرْدي وخلائق

روى عنه البِرزالي والحافظ الزكي المنذري والكمال بن العديم والزين خالد والشرف النابلسي وأحمد بن هبة الله بن عساكر وأحمد بن إسحاق الأبَرقوهي وغيرُهم

وكان فقيها صالحا ورِعا كثير الصلاة متجرِّد للعبادة جزأ الليل ثلاثة أجزاء ثُلثا للتلاوة والتسبيح وثلثا للنوم وثلثا للعبادة والتهجد وكذلك معظم نهاره وكان لذلك يقال له السَّجَّاد وبالجملة كان من الأئمة الأوابين وقد رأى بعضهم عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو يعتَنقه ويسلم عليه فقيل يا أمير المؤمنين أهكذا تُسلم على زَين الأمناء فقال نعم إنه من الأوابين وقد أهديتُ له تمرا صيحانيا وكان أخوه أبو الفضل في الحجاز فلما قدِم من الحجِّ قال له يا أخي قد جئتُك بعلبة فيها تمرٌ قيل إنه من غرس عثمان أو علي فقال زين الأمناء بل من غرسِ عثمان وقصَّ عليه القصة

وكان يقول ما أفطرتُ في رمضان منذ صمتُ قطُّ لا بمرض ولا غيرِه بل كنتُ أمرض قبله أو بعدَه وسلم لي نيفٌ وسبعون رمضان فلم أفطِر فيها يوما

وأخذ زين الأمناء الفقه عن جمال الأئمة أبي القاسم علي بن الحسن بن الماسح

وولي نظَرَ الخزانة ونظرَ الأوقاف بدمشق ثم أعرض عنها وأقبل على شأنه وأجمع الناسُ على عِظَم قدره في الدين

وقد بتر الذهبي ترجمته وذكر أن أبا عمرو بن الحاجب وصفه بأشياء من المدح لم يذكرها فليت شِعرِي ما باله لم يذكرها ولا يخفى على عاقل أن سبب تركِه لذِكرِها كون زين الأمناء أشعريا ثم ذكر أن السيف يعني ابن المجد ضرب على بعضِها والسيف من جُهال المشبهة لا يعتبر به في وِردٍ ولا صَدَرٍ

وأقعِد زين الأمناء بأخرة فصار يحمل في محَفَّة إلى الجامع من أجل الصلاة وإلى دار الحديث النورية من أجل إسماع الحديث

مات في سنة سبع وعشرين وستمائة

1133 الحسن بن محمد بن علي بن أحمد

1134 الخضِر بن الحسن بن علي

الوزيرُ الكبير قاضي القضاة برهان الدين السِّنجاري الجد من قبَل الأم

1135 داود بن بُندار بن إبراهيم الفقيه معين الدين أبو الخير الجيلي

قدِم بغداد في صباه وتفقه بالنظامية على أبي المحاسن يوسف بن بُندار وأعاد بها مدة طويلة

وحدث عن أبي الوقت السِّجزي وغيره

روى عنه ابن الدُّبَيثي وغيرُه

ومات في رجب سنة ثمان عشرة وستمائة وقد نيفَ على الثمانين

1136 ربيعة بن الحسن بن علي بن عبد الله بن يحيى أبو نزار الحضرمي اليمني الصَّنعاني الذِّماري

الفقيه المحدث

ولد سنة خمس وعشرين وخمسمائة وتفقه بظفار على الفقيه محمد بن عبد الله بن حماد وغيرِه

وركب في البحر ودخل بغداد وأصبهان وأقام بأصبهان مدّة تفقه بها على بعض أئمة الشافعية

سمع أبا المظفَّر القاسم بن الفضل الصيدلاني ورجاء بن حامد المعداني وإسماعيل بن شهريار صاحب رزق الله التميمي ومعمر بن الفاخر وأبا موسى المديني وغيرَهم

ودخل إلى ديار مصر وسمع من السِّلفي

وحجَّ وسمع من المبارك بن علي الطبَاخ

وحدّث روى عنه أبو البركات والمنذري والبرزالي والضياء وابن خليل والشهاب القوصي وجماعة

وسكن مصر بأخَرَة وكان فقيها صالحا عارفا باللغة كثير التلاوة والعبادة أديبا شاعرا حسن الخطِّ

توفي في ثامن عشر من جمادى الآخرة سنة تسع وستمائة

1137 زاهر بن رستم بن أبي الرَّجاء

1138 زكي بن الحسن بن عمر أبو أحمد البيلقاني

فقيه مناظر متكلم أصولي محقق

ولد سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة

ودخل خراسان وقرأ على الإمام فخر الدين وعلى تلميذه القطب المصري وسمع الحديث من المؤيد الطوسي وغيرِه

وقدم دمشق فحدث بها

روى عنه الشيخ جمال الدين الصابوني والمحدث نور الدين علي بن جابر الهاشمي وشهاب الدين أحمد بن محمد الإسعَردي وغيرُهم

وسلك سبيل المتَّجَر وأقام بالإسكندرية مدّة على هيئة التُّجَّار ثم دخل اليمن واشتهر بها وشغل الناس بالعلم

قال ابن جابر كان فريد دهره علما وزهدا ووَرعا

قال وتوفي بثَغرِ عدَن سنة ست وسبعين وستمائة

1139 سعد بن مظفَّر بن المطَهَر أبو طالب الصوفي

من أهل يزد

تفقه ببغداد وصحِب عمر بن محمد السُّهرَوَردِي وسلك طريق الزهد والخَلوة والرياضة

توفي سنة سبع وثلاثين وستمائة

1140 سليمان بن مظفَّر بن غانم بن عبد الكريم أبو داود من أهل جيلان

قال ابن النجار قدم بغداد وأقام بالنظامية متفقها على أحسن طريقة وأجمل سيرة حتى برع في المذهب وصنف فيه كتابا يشتمل على خمس عشرة مجلدة

وكان متدينا عفيفا نزِها ملازما لبيته حافظا لأوقاته عُرِضت عليه الإعادة والتدريس ببعض المدارس فلم يجِب

توفي سنة إحدى وثلاثين وستمائة

1141 سليمان بن رجب بن مهاجر الرَّاذاني المقرِىء الضَّرير

تفقه بالنظامية وسمع من شُهدة وحدث

مات في ربيع لاأول سنة ثمان عشرة وستمائة

1142 سَلاَّر بن الحسن بن عمر بن سعيد الشيخ كمال الدين أبو الفضائل الإرْبِلي

تلميذُ الشيخ تقي الدين ابن الصَّلاح وشيخُ الشيخ محيي الدين النووي

قال النووي هو شيخنا المجْمع على إمامتِه وجلالتِه وتقدُّمه في علم المذهب على أهل عصرِه بهذه النواحي

وقال في موضع آخر هو إمام المذهب في عصره والمرجوع إليه في حل مشكلاته وتعرف خفياته والمتَّفق على إمامته وجلالته ونزاهته

تفقه على جماعة منهم الإمام أبو بكر الماهاني انتهى

وكان البادرائي قد جعله معيدا بمدرسته فلم يزل على ذلك إلى أن مات لم يرُدْ منصِبا آخر

قال الشريف عزُّ الدين وكان عليه مدارُ الفتوى بالشام في وقته ولم يترُك بعدَه في بلاد الشام مثله

توفي في جُمادى الآخرة سنة سبعين وستمائة عن بضعٍ وستين سنة

ومن فتاويه

فيمن حلف بالطلاق وله زوجتان ولم ينوِ شيئا أنه يتخير بينهما فمن أراد منهما جعله واقعا عليها

فإن قلتَ بل في هذا مخالفة لما نقله الرَّافعي عن القاضي الحسين فيمن قال حلال الله علىَّ حرام إن دخلتِ الدار وله امرأتان أنه تطلق كل منهما طلقة وأفتى البغوي بمثله

قلتُ لا فإن حلال الله علي حرام مفرد مضافٌ فيعُم كل حلال له وهو المرأتان

فإن قلتَ وكذلك الطلاق فإنه عام من حيث تَحليتُه باللاَّم قلتُ اللام من الطلاق لا تُحمل على العموم لشيوع العُرفِ فيه ويمكن أن يقال أيضا الحلال مفرداتُه للنساء فعم فيهما والطلاق مفرداته الطَّلقات لا المطلقات فلا يقع عليهما بل على واحدة منهما فقط إذ لا عموم في المطلق بل في نفس الطَّلاق بخلاف حلال الله علي حرام ثم نفسُ الطلاق لا يعُم لمعارضتِه العُرفَ كما ذكرناه وهذا تحريرُ الجواب في الحقيقة

1143 شبلي بن الجنيد بن إبراهيم بن خلكان القاضي أبو بكر الزرْزائي

ولد بإرْبِل سنة ست وسبعين وخمسمائة

وروى بالإجازة عن ابن كُليب وغيره

ولي قضاء إخميم وبها مات سنة ثلاث وخمسين وستمائة

1144 شعيب بن أبي طاهر بن كُليب بن مقبِل أبو الغيث الضرير

من أهل البصرة تفقه ببغداد على أبي طالب الكرخِي وأبي القاسم الفراتي صاحب ابن الخَل

وله شعر جيد

مات في المحرَّم سنة ثمان عشرة وستمائة

1145 صالح بن بدر بن عبد الله الفقيه تقي الدين المصري الزفتاوي

وزِفتا بكسر الزّاي بعدها الفاء الساكنة ثم التاء المثناة من فوق ثم الألف الساكنة بُليدة من بحري الفسطاط

تفقه على الشيخ شهاب الدين الطوسي وسمع بالإسكندرية من أبي طاهر بن عوف وبمصر من البوصيري

وولي القضاء نيابة

توفي في ذي القعدة سنة ثلاثين وستمائة وهو من أبناء السبعين

1146 صالح بن عثمان بن بَرَكة أبو محمد الضرير المقرِىء

من أهل واسِط

قرأ القراءات على أبي بكر بن الباقلاّني وسمع منه الحديث ومن غيرِه كأبي الفرج ابن كُليب وأنظارِه وتفقه ببغداد

مولدُه سنة ثلاث وستين وخمسمائة وتوفي سنة اثنتين وأربعين وستمائة

1147 صقر بن يحيى بن سالم بن يحيى بن عيسى بن صقر الإمام ضياء الدين أبو المظفَّر الكلبي الحلبي

ولد سنة تسع وخمسين وخمسمائة فيما يظُن الذَّهبي

وتفقه في المذهب وبرع وسمع من يحيى الثَّقفي والخشوعِي وابن طَبَرزَد وحنبل وغيرِهم

روى عنه الدمياطي وابن الظّاهري وسنقر القضائي وغيرُهم

درّس بحلب مدة

ومات في سنة ثلاث وخمسين وستمائة

1148 الطاهر بن محمد بن علي بن محمد بن يحيى

قاضي قضاة الشام زكي الدين أبو العباس بن قاضي القضاة محيي الدين بن قاضي القضاة زكي الدين بن قاضي القضاة المنتجب

ولي القضاء مرتين قبل ابن الحرستاني وبعده

وكان الملك المعظَّم لا يحبُه وفي قلبه منه أمورٌ يمنعه منها حياؤه من والده الملك العادل

واتفق مرضُ ستِّ الشام عمة السلطان الملك المعظم لما وصَّت بدارها مدرسة وأحضرت قاضي القضاة زكي الدين الطاهر والشُّهود وأوصت إلى القاضي فبلغ المعظَّم فتغير عليه وقال يدخل دارَ عمتي بغير إذني ويسمعُ كلامها ثم اتفق أن القاضي أحضر جابي العزيزية وطالبه بالحساب فأغلظ الجابي في الجواب فأمر بضربه فضُرِب بين يديه كما يفعل أهل الولاية فأرسل إليه المعظَّم قباء حرير وكلوته وأمره أن يلبسهما ويحكم فيهما فلم يسَعه إلا فِعل ذلك ثم لزم بيته ولم تطُل حياته بعدها وصار يرمي قطعا من كبده ومات في صفر سنة سبع عشرة وستمائة

1149 عبد الله بن أحمد بن محمد بن قفْل

1150 عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن علي بن أبي بكر الخطيب أبو محمد من أهل همذان

سمع أبا الوقت السِّجزي وغيرَه وتفقه بأبي الخير القزويني وأبي طالب الكرخي وأعاد بالنظامية

قال ابن النجار كان حافظا للمذهب سديدَ الفتاوى عفيفا نزِها ورِعا متدينا متقشِّفا على منهاج السّلف كتبتُ عنه وكان صدوقا

قال وسألته عن مولده فقال في شهر ربيع الأول سنة خمس وأربعين وخمسمائة بهمذان وتوفي في شعبان سنة اثنتين وعشرين وستمائة

1151 عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان بن رافع الأسدي أبو محمد

من أهل حلب

أسمعه والدُه في صِباه من يحيى بن محمود الثَّقفي وغيرِه ثم سمع هو بنفسه وكتب بخطِّه

وتفقه على قاضي حلب أبي المحاسن يوسف بن رافع بن تميم وعُني القاضي أبو المحاسن به لما رأى من نجابته ومخايل الفلاح اللاّئحة عليه فاستفرغ جُهدَه في تعليمه واتخذه ولدا وصاهره وجعله معيدَ مدرسته وله نيفٌ وعشرون سنة

ثم ولي التدريس بعده بمدارس ونبُل مقداره عند الملوك والسلاطين وارتفع شأنه وعظُم جاهه ودخل بغداد وناظر بها

ولد سنة ثمان وسبعين وخسمائة وتوفي سنة خمس وثلاثين وستمائة

1152 عبد الله بن عمر بن أحمد بن منصور بن الإمام محمد بن القاسم بن حبيب الإمام أبو سعد بن الصَّفَّار النيسابوري

ولد الإمام أبي حفص

ولد سنة ثمان وخمسين وخمسمائة

وسمع من جده لأمه الأستاذ أبي نصر بن القشيري وهو آخر من حدّث عنه وسمع من الفراوي وزاهر الشَّحامي وعبد الغافر بن إسماعيل الفارسي وعبد الجبَار ابن محمد الخواري وغيرِهم

روى عنه بدل بن أبي المعمر التِّبريزي وإسماعيل بن ظفر النابلسي ونجم الدين الكبرى أبو الجناب أحمد بن عمر الخَيوَقي وغيرُهم

وكان إماما عالما بالأصول والفقه ثقة صالحا مجمعا على دينه وأمانته

1153 عبد الله بن عمر بن محمد بن علي أبو الخير القاضي ناصر الدين البيضاوي

صاحب الطوالع والمصباح في أصول الدين والغاية القصوى في الفقه والمنهاج في أصول الفقه ومختصر الكشاف في التفسير وشرح المصابيح في الحديث

كان إماما مبرِّزا نظَّارا صالحا متعبِدا زاهدا

ولي قضاء القضاة بشيراز ودخل تبريز وناظر بها وصادف دخوله إليها مجلس درسٍ قد عقد بها لبعض الفضلاء فجلس القاضي ناصر الدين في أخريات القوم بحيث لم يعلم به أحد فذكر المدرِّس نكتة زعم أن أحداً من الحاضرين لا يقدر على جوابها وطلب من القوم حلها والجواب عنها فإن لم يقدروا فالحل فقط فإن لم يقدروا فإعادتها فلما انتهى من ذكرها شرع القاضي ناصر الدين في الجواب فقال له لا أسمعُ حتى أعلم أنك فهمتها فخيره بين إعادتها بلفظِها أو معناها فبُهت المدرِّس وقال أعِدها بلفظِها فأعادها ثم حلها وبين أن في تركيبه إياها خللا ثم أجاب عنها وقابلها في الحال بمثلها ودعا المدرِّس إلى حلها فتعذَّر عليه ذلك فأقامه الوزيرُ من مجلسه وأدناه إلى جانبه وسأله من أنتَ فأخبره أنه البيضاوي وأنه جاء في طلب القضاء بشيراز فأكرمه وخلع عليه في يومه ورده وقد قضى حاجته

1154 عبد الله بن عمر القاضي جمال الدين بن الدمشقي

قاضي اليمن

ولد بدمشق في حدود سنة ثلاثين وخمسمائة

وسمع بالإسكندرية من السِّلفي وغيرِه

وتوجَّه من دمشق صحبة شمس الدولة توران شاه بن أيوب إلى اليمن وتقدم عنده فولاه قضاء اليمن ثم عاد إلى دمشق وحدث

مات سنة ست وعشرين وستمائة

1155 عبد الله بن عيسى بن أيمن المرِّي

شيخ الأحنف قال الأحنف ما رأيتُ أعرفَ منه بالمذهب

ذكر ذلك المطَري

1156 عبد الله بن أبي الوفاء محمد بن الحسن الإمام نجم الدين أبو محمد البادَرَائي البغدادي

ولد سنة أربع وتسعين وخمسمائة

وسمع من عبد العزيز بن منينا وأبي منصور الرَّزّاز

وتفقه وبرع ودرَّس بالنظامية ببغداد وترسَّل عن الديوان العزيز غيرَ مرّة وحدث ببغداد ومصر وحلب

بنى بدمشق المدرسة المعروفة به وولي قضاء القضاة ببغداد خمسة عشر يوما

توفي في أول ذي القعدة سنة خمس وخمسين وستمائة

1157 عبد الله بن محمد بن علي الفِهري الشيخ شرف الدين أبو محمد

شارح المعالم في أصول الدين والمعالم في أصول الفقه

كان أصوليا متكلما دينا خيرا من علماء الديار المصرية ومحققيهم

أدركه بعض مشايخ شيوخنا وذكره ابن الرِّفعة في المطلب مثنيا على فضله

قال الوالدُ رحمه الله وهو لم يدرِكه قال وهو حَموُ شيخِنا ابن بنت أبي سعد

1158 عبد الجبار بن عبد الغني بن علي بن أبي الفضل بن علي بن عبد الواحد ابن عبد الضَّيف الأنصاري بن الحرستاني كمال الدين أبو محمد

سمع أبا القاسم الحافظ وأبا سعد بن أبي عصرون وأجازه خطيبُ الموصل والحافظ أبو موسى المدِيني

سمع منه الزكي البرزالي وخرَّج له جزءا وغيرُه

مات سنة أربع وعشرين وستمائة

1159 عبد الحميد بن عيسى بن عمويه بن يونس بن خليل الخُسرَوشاهي

وخُسرَوْشاه بضم الخاء المعجمة وسكون السين المهملة وفتح الراء بعدها واو ساكنة ثم شين معجمة وآخرها الهاء من قرى تِبريز

ولد سنة ثمانين وخمسمائة بها وسمع الحديث من المؤيد الطوسي

حدث عنه الحافظ أبو محمد الدمياطي وغيرُه

وكان فقيها أصوليا متكلما محققا بارعا في المعقولات

قرأ على الإمام فخر الدين الرَّازي وأكثر الأخذ عنه ثم قدم الشام بعد وفاة الإمام ودرَّس وأفاد ثم توجّه إلى الكرك فأقام عند صاحبها الملك الناصر داود فإنه استدعاه ليقرأ عليه ثم عاد إلى دمشق فأقام بها إلى أن توفي

ومن مصنفاته مختصر المهذب في الفقه ومختصر المقالات لابن سينا وتتمة الآيات البينات وغير ذلك

وكان يعظِّم الإمام كثيرا على عادة تلامذة الإمام في حقه وحُق له ويحكى أنه ورد عليه دمشق أعجمي ومعه كتاب عليه خطُّ الإمام فأخذ يقبِله ويضعه على رأسه ويقول هذا خطُّ الإمام

1160 عبد الرحمن بن إبراهيم بن ضياء بن سِباع الفزاري الشيخ تاجُ الدين المعروف بالفِرْكاح

فقيه أهل الشام كان إماما مدققا نظَّارا

صنف كتاب الإقليد لدّرّ التّقليد شرحا على التنبيه لم يتمه وشرَح ورقات إمام الحرمين في أصول الفقه وشرح من التعجيز قطعة وله على الوجيز مجلدات

تفقه على شيخ الإسلام عز الدين أبي محمد بن عبد السلام وروى البخاري عن ابن الزبيدي وسمع من ابن اللتِّي وابن الصَّلاح

حدث عنه جماعة وخرَّج له الحافظ أبو محمد البِرزالي مشيخة

توفي في جُمادى الآخرة سنة تسعين وستمائة وهو على تدريس المدرسة البادَرائية

أخبرنا محمد بن إسماعيل بن عمر الحموي قراءة عليه أخبرنا الشيخ تاجُ الدين ابن الفِركاح والشيخ فخرُ الدين ابن البخاري قراءة عليهما قال الأول أخبرنا الإمام شرف الدين محمد بن عبد الله بن محمد المرسي قراءة عليه أخبرنا منصور بن عبد المنعم الفراوي وقال الثاني أخبرنا منصور المذكور إجازة أخبرنا محمد بن إسماعيل الفارسي وقال الثاني أيضا أخبرنا عبد الله بن عمر الصَّفَّار إجازة أخبرنا محمد بن الفضل الفراوي قراءة عليه قالا أخبرنا الحافظ أبو بكر البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه أخبرنا أبو مسلم حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شُعبة عن سعد بن إبراهيم عن أبي أمامة عن أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه قال لما نزلت بنو قريظة على حكِم سعدٍ بعث رسول الله إليه وكان قريبا فجاء على حمار فلما دنا قال النبي قوموا إلى سيدكم

حكى الشيخ تاج الدين في الإقليد وجها أنه يكبِر إذا جلس للاستراحة تكبيرة يفرُغ منها في الجلوس ثم يكبِر أخرى للنهوض

وقال ولده الشيخ برهان الدين إنه قوي متجِه لحديث كان يكبِر لكل خفضٍ ورفعٍ

والرَّافعي والنووي نفيا الخلافَ في المسألة والاستدلال بهذا الحديث عليها صعبٌ وما ينبغي أن يزاد في الصلاة تكبيرٌ بمجرَّد تعميم ظاهره الخصوص فإن الظاهر أن المراد كل رفعٍ وخفضٍ من غير جلسة الاستراحة

1161 عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان

الشيخ الإمام المفنن شهاب الدين المقدسي الدمشقي أبو شامة

وأبو شامة لقبٌ عليه

كان أحد الأئمة تَلا على السَّخاوي وعُني بالحديث فسمع بنفسه من داود ابن ملاعب وأحمد بن عبد الله العطَّار والشيخ الموفَّق وطائفة

وبرع في فنون العلم وقيل بلغ رُتبة الاجتهاد

واختصر تاريخ الحافظ ابن عساكر وصنف كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصّلاحية وله أرجوزة حسنة في العَروض ونظم مفصَّل الزمخشري ومن محاسِنه كتاب البسملة الأكبر وكتاب البسملة الأصغر والباعث على إنكار البِدَع والحوادث وكتاب ضوء القمر الساري إلى معرفة الباري وكتاب نور المسرَى في تفسير آية الإسراء

واختار فيه أن الإسراء بالنبي إلى بيت المقدس وإلى السموات وقع مرتين أو مرارا تارة في المنام وتارة في اليقظة قال وعلى ذلك يخرَّج جميعُ الأحاديث على اختلاف عباراتها والاختلاف في المكان الذي وقع منه الإسراء قال وهذا القول نصره الإمام أبو نصر ابن الأستاذ أبي القاسم القشيري في تفسيره واختاره أيضا أبو القاسم السُّهيلي وحكاه عن شيخه أبي بكر بن العربي وحكاه المهلب بن أبي صُفرة في شرح البخاري عن طائفة من العلماء

وتعقب فيه قول السُّهيلي مستدرِكا قول أهل اللغة إن أسرَى وسرَى لغتان بمعنى واحد اتفقت الرِّواياتُ على تسميته إسراء ولم يسمه أحد سُرى فدلّ على أن أهل اللغة لم يتحققوا العبارة إلى آخر ما ذكر السُّهيلي فقال أبو شامة إنما أطبق الناسُ على تسميته إسراء محافظة على لفظ القرآن وإلا فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله لقد رأيتُني في الحِجرِ وقريشٌ تسألني عن مسراي

ومن فوائده في هذا الكتاب

قال افتتح الله سبحانه سوَر كتابه العزيز بعشرة أنواع من الكلام

الأول الثناء في أربع عشرة سورة إما بالإشارة إلى إثبات صفات الكمال في سورٍ سبعٍ ‏{‏الْحَمْدُ للَّهِ‏}‏ في خمس سور و ‏{‏تَبَارَكَ‏}‏ في سورتين وإما بالإشارة إلى نفي صفاتِ النقصِ في سبع أخرى ‏{‏سُبْحَانَ‏}‏ ‏{‏سَبَّحَ‏}‏ ‏{‏يُسَبِّحُ‏}‏ ‏{‏سَبِّحْ‏}‏

الثاني حروف الهجاء في تسع وعشرين سورة

الثالث النداء في عشر سور

الرابع الجمل الخبرية نحو ‏{‏بَرَاءَةٌ‏}‏ ‏{‏أَتَى أَمْرُ اللَّهِ‏}‏ في ثلاث وعشرين

الخامس القسَم في خمس عشرة

السادس الشَّرطُ بإذَا في سبعٍ

السابع الأمرُ بقل واقرأ في ستّ

الثامن الاستفهام ب ما في ‏{‏عَمَّ‏}‏ وهل والهمزة في ستٍّ

التاسع الدعاء ب ‏{‏وَيل‏}‏ و ‏{‏تَبَتْ‏}‏ في ثلاث

العاشر التعليل في سورة واحدة وهي ‏{‏لإِيلافِ قُرَيْشٍ‏}‏ ثم نظم أبو شامة هذه الأنواع في بيتين وهما

أثنى على نفسه سبحانه بثُبوتِ ** المدحِ والسَّلب لما استَفتَح السُّوَرَا

والأمر شَرط الندا التّعليل أقسَم والدُّعاء ** حرف الهجا استفهم الخبَرا

ولد أبو شامة سنة تسع وتسعين وخمسمائة وأخذ عن شيخ الإسلام عز الدين ابن عبد السلام وولي مشيخة دار الحديث الأشرفية ومشيخة الإقراء بالتُّربة الأشرفية

ودخل عليه اثنان إلى بيته في صورة المستفتين فضرباه ضربا مبرِّحا فاعتل به إلى أن مات في سنة خمس وستين وستمائة وكتب هو في تاريخه المحنة التي اتفقت له وذكر تفويضَ أمرِه إلى الله تعالى وعدم مؤاخذة من فعل ذلك وأنشد لنفسه

قل لمن قال أما تشتكي ** ما قد جرى فهو عظيم جليل

يقيضُ الله تعالى لنا ** من يأخذ الحق ويشفي الغليل

إذا توكلنا عليه كفى ** فحسبنا الله ونعم الوكيل

ومن شعره في السبعة الذين يظلهم الله بظلهِ

وقال النبي المصطفى إن سبعة ** يظلهم الله العظيم بظلّهِ

مُحبُّ عِفِيفٌ ناشىء مُتصدق ** وباك مُصل والإمامُ بعدلهِ

ومن شعره

أربعة عن أحمدٍ شاعت ولا ** أصل لها من الحديث الواصلِ

خروج اذارَ ويومُ صومكم ** ثم أذى الذِّمِّى ورد السائلِ

مُراده بحديث رد السائل حديثُ ردوا السائل ولو جاء على فرس لا حديث ردوا السائل ولو بظلف محرق فإنه روى بإسناد جيد رويناه في جزء البطاقة

1162 عبد الرحمن بن إسماعيل بن يحيى الزبيديّ أبو محمد

سمع من محمد بن عبد الباقي بن البَطِّي وغيرِه

روى عنه ابنُ النجار وكان يعرف الفرائض والحساب

مولده سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة ومات سنة عشرين وستمائة

1163 عبد الرحمن بن الحسن بن علي بن بُصلا أبو محمد الصوفي

من أهل البَنْدَنِيجَيْن

تفقه ببغداد وسمع أبا بكر أحمد بن المُقرَّب الكَرْخِي وأبا القاسم يحيى بن ثابت ابن بُندار وغيرهما وقرأ الأدب وكان صوفيا مُفتَنَّا ناظما

كتب عنه ابن النجار وقال سألته عن مولده فقال في سنة خمس وأربعين وخمسمائة ومات في ذى الحجة سنة ست وعشرين وستمائة

1164 عبد الرحمن بن عبد العلي المصري الشيخ عماد الدين ابن السكري

قاضي القضاة بمصر له ًحَواشٍ على الوسيط مفيدة ومُصنَّف في مسألة الدور

ولد سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة

وتفقه على الشيخ شهاب الدين الطوسي والفقيه ظافر بن الحسين

وولىَ قضاء القاهره وخطابة جامع الحكم وكان من البارعين في الفقه

حدث عن إبراهيم بن سماقة وأبي الحسن علي بن خلف الكوفي وغيرهما وصحب الشيخ القرشي وجماعة من الصالحين

وكان قد صرف عن القضاء لأنه طلب منه قرض شيء من مال الأيتام فامتنع رحمه الله

وبلغنى أن الشيخ عبد الرحمن النويري وهو رجل صالح كان في زمانه كثير المكاشفات والحكم بها وكان القاضي عماد الدين ينكر عليه فبلغ القاضي أنه أكثر الحكم بالمكاشفات فعزله فقال النويري عزلته وذرِّيته فكانت

وبلغنى أن الشيخ ظهير الدين التزمنتي شيخ ابن الرقعة قال زرت قبر القاضي عماد الدين بعد موته بأيام وكنت شابا أمرد فوجدت عنده فقيرا قلندريا فتواريت منه فقال تعال يا فقيه فجئت إليه فقال يحشر العلماء وعلى رأس كل واحد منهم لواءٌ وهذا القاضي منهم وطلبته فلم اره

وسمعت الوالد رحمه الله يقول توفي القاضي عماد الدين بعد العشرين وستمائة

قلت وكان في ثامن عشر أو تاسع عشر شوال سنة أربع وعشرين وستمائة

ومن فوائده

إذا أكرهه على صعود شجرة فزلقت رجله ومات قال الغزالي القصاص على المكره ولم يجعل كشريك المُخطىء

وقال الرافعي الأظهر ما ذكره الرُّوياني وصاحب التهذيب والفوراني أنه عمد خطأ لا يتعلق به قصاص لأن هذا العفل ليس مما يتعلق به هلاك

قال القاضي عماد الدين في الحواشى ونقله عنه ابن الرفعة في المطلب التحقيق أن للمسألة صورتين إحداهما أن يكون صعود تلك الشجرة مهلكا غالبا فيجب القصاص والثانية أن يكون سليما في الغالب فيكون عمد خطأ قال فلينزل الخلاف على الصورتين

ثم أورد سؤالا فقال إن كان الغالب العطب وتعاطاه فهو مكره على قتل نفسه فلا يجب القصاص على الصحيح لعدم تصوره وأجاب بأن المكره عليه ثم قتل محقق وليس كذلك هنا فإنه يرجو السلامة

قال ابن الرفعة وأيضا فقد لا يعرف المكره بأن ذلك مهلك فيتصور الإكراه عليه

1165 عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن خلف بن بدر العلامي

قاضي القضاة تقي الدين ابن قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز روى عن الحافظين المنذري والعطار

وكتب عنه الحافظ الدمياطي وشيخنا أبو حيان

وقرأ الأصول على القرافي وتعليقة القرافي على المنتخب إنما صنعها لأجله

وكان فقيها نحويا أديبا دينا من أحسن القضاة سيرة جمع بين القضاء والوزارة وولى مشيخة الخانقاه وخطابة جامع الأزهر وتدريس الشريفية وتدريس الشافعي والمشهد الحُسيني بالقاهرة

وقد جرت له محنة حاصلها أن ابن السَّلعُوس وزير السلطان الملك الأشرف كان يكرهه فعمل عليه وجهز من شهد عليه بالزور بأمور عظام بحيث وصل من بعضهم أنهم أحضروا شابا حسن الصورة واعترف على نفسه بين يدي السلطان بأن القاضي لاط به وأحضروا من شهد بأنه يحمل الزنار في وسطه فقال القاضي أيها السلطان كل ما قالوه يمكن لكن حمل الزنار لا يعتمده النصارى تعظيما ولو أمكنهم تركه لتركوه فكيف أحمله

وكان القاضي بريئا من ذلك بعيدا عنه من كل وجه رجلا صالحا لا يشك فيه وآخر الأمر أنه نزل ماشيا من القلعة إلى الحبس وعزل وخيف عليه أن يجهز الوزير من يقتله فنام عنده تلك الليلة شيخُنا أبو حيان ثم أخرج من الحبس أقام بالقرافة مدة ثم توجه إلى الحجاز ومدح سيدنا رسول بقصيدة دالية منها

الناس بين مرجز ومقصد ** ومطول في مدحه ومجود

ومخبِّر عمن روى ومُعبِّرٍ ** عما رآهُ من العلى والسؤدد

ومنها

ما في قوى الأذهان حصر صفاتك ** العليا ومالك من كريم المحتد

وتفاوت المداح فيك بقدر ما ** بصروا به من نورك المتوقد

وسمعت من يقول إن هذا القاضي كشف رأسه ووقف بين يدي الحجرة الشريفة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام واستغاث بالنبي وأقسم عليه أن لا يصل إلى موطنه إلاّ وقد عاد إلى منصبه فلم يصل إلى القاهرة إلاَّ والسلطان الأشرف قد قتل وكذلك وزيره فأعيد إلى القضاء ووصل إليه الخبر بالعود قبل وصوله إلى القاهرة

أنشدنا من لفظه الشيخ الإمام الوالد رحمه الله قال أنشدنا شيخنا الحافظ أبو محمد الدمياطي قال أنشدنا الشاب الفاضل تقي الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعز لنفسه

ومن رام في الدنيا حياة خلية ** من الهمِّ والأكدار رام مُحالا

وهاتيك دعوى قد تركت دليلها ** على كل أبناء الزمان مُحالا

ثم أنشد الوالد رحمه الله لنفسه مضمنا هذين البيتين ونقلت ذلك من خطه

يقول امرُؤٌ ياضيعة النحو عند من ** يرى خفض تمييز ويجزم حالا

ومن رام في الدنيا حياة خلية ** من الهمِّ والأكدار رام مُحالا

وهاتيك دعوى قد تركت دليلها ** على كل أبناء الزمان مُحالا

نعم هذه حال التى هي همه ** فتعطيه دارا تغتذيه محالا

وذو الزُّهد فيها ناعمُ العيش فى رضى ** وفي كل ما يهوى بأنعم حالا

ولا سيما من صح عنه توكل ** أتجدنى ابرام تقدم حالا

وليس كمن في بحر دنيا غريقها ** يطرحه موج ويلقم حالا

يدور مع الرحمن في كل أمره ** عسى قال حل فيما أقسم حالا

توفي بالقاهرة في سادس عشر جمادى الأولى سنة خمس وتسعين وستمائة

1166 عبد الرحمن بن عثمان بن موسى صلاح الدين أبو القاسم

والد الشيخ تقي الدين ابن الصلاح

تفقه على ابن عصرُون وسكن حلب ودرس بالمدرسة الأسدية بها

مات في ذى القعدة سنة ثمان عشرة وستمائة

1167 عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن حمدان أبو القاسم الطِّيبي

تفقه بواسط على المجير محمود البغدادي وقدم بغداد ودرس ببعض مدارسها وصنف مختصرا في الفرائض

مولده سنة ثلاث وستين وخمسمائة وتوفي في صفر سنة أربع وعشرين وستمائة

1168 عبد الرحمن بن محمد بن إسماعيل بن حامد الإمام أبو القاسم ضياء الدين القرشي المصري ابن الوراق

تفقه على الشيخ شهاب الدين الطوسي وأعاد عنده بمنازل العز بمصر وسمع من عبد الله بن بَرِّي وغيره

قال الحافظ المنذري سمعت منه وتفقهت عليه مدة

قال وكان عالما صالحا حسن الأخلاق تاركا لما لا يعنيه كتب الكثير بخطه قيل كتب أربعمائة مجلد

توفي في جمادى الآخرة سنة ست عشرة وستمائة

1169 عبد الرحمن بن محمد بن بدر بن سعيد بن جامع أبو القاسم البرجوني

من أهل واسط وبرجون محلة بالجانب الشرقي منها

كان يعرف بابن المعلم

قال ابن النجار تفقه على ابن فضلان وابن الربيع ببغداد حتى برع في المذهب والخلاف والأصول وسمع الحديث من أبى الفتح بن شَاتِيل

وتوفي في رجب سنة ثمان وعشرين وستمائة وقد نيف على الخمسين

1170 عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن هبة الله ابن عبد الله بن الحسين الدمشقي

الشيخ الإمام الكبير أبو منصور فخر الدين ابن عساكر

شيخ الشافعية بالشام وآخر من جمع له العلم والعمل

ولد سنة خمس وخمسين وخمسمائة

وتفقه بدمشق على الشيخ قطب الدين النيسابوري وزوجه بابنته واستولدها

وسمع الحديث من عميه الإِمامين الحافظ الكبير أبي القاسم والصائن هبة الله وجماعة

وحدث بمكة ودمشق والقدس روى عنه الحافظ زكي الدين البرزالىُّ وزين الدين خالد وضياءُ الدين المقدسي وآخرون

وله تصانيف في الفقه والحديث وغيرهما وبه تخرج الشيخ عز الدين بن عبد السلام

وكان إماما صالحا قانتا عابدا ورعا كثير الذِّكر قيل كان لا يخلو لسانه عن ذكر الله

وأريد على القضاء فامتنع طلبَه الملكُ العادل ليلا وبالغ في استِعطافه وألحَّ عليه فقال حتى استخير الله وخرج فقام ليلته في الجامع يتضرّع ويبكي إلى الفجر فلما صلى الصبح وطلعت الشمسُ أتاه جماعة من جهة السلطان فأصرَّ على الامتناع وجهَّز أهله للسفر وخرجت المحابِر إلى ناحية حلب فردها السلطان ورقَّ عليه وأعفاه وقال عين غيرَك فعين له ابن الحرستاني واتّفق أهل عصره على تعظيمه في العقل والدين

الجمع بين وظيفتين في بلدين متباعدين

كان الشيخ فخر الدين ابن عساكر مدرسا بالمدرسة العذراويّة وهو أول من درَّس بها والنُّوريّة والجاروخيّة وهذه الثلاث بدمشق والمدرسة الصَّلاحية بالقدس يقيم بالقدس أشهرا وبدمشق أشهرا وقد وقع في زماننا التَّرافُع في رجلٍ وليَ التدريس في بلدين متباعدين حلب ودمشق وأفتى جماعة من أهل عصرنا بالجواز على أن يستنيبَ فيما غاب عنها فمن أصحابنا القاضي بهاء الدين أبو البقاء السُّبكي ابن العمِّ والشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الله البعلبكي والقاضي شمس الدين محمد بن خلف الغزي والشيخ عماد الدين إسماعيل بن خليفة الحسباني ومن الحنفيّة والمالكية والحنابلة آخرون وزاد شمس الدين الغزي فقضى بذلك وأذِن فيه وحاولني صاحب الواقعة على موافقتهم فأبيتُ والذي يظهر أنَّ هذا لا يجوز وأنا الذي ذكرتُ لهم ما فعل ابن عساكر ومني سمعَه صاحبُ الواقعة وليس لهم فيه دليلٌ لأن واقفَ الصلاحية جوَّز لمدرِّسها أن يستنيبَ على عذرٍ وهذا وإن كان لا ينهض عذرا لأن ابن عساكر كان يقيم بهذه البلد أشهرا وبهذه البلد أشهرا ومسألتنا فيمن يُعرِض عن إحدى البلدين بالكلية ويقتصر على الاستنابة وما ذكرتُ وإن لم يكن فيه دليلٌ لأن واقفَ الصلاحية إن سوَّغ الاستنابة فما يسوِّغ ذلك واقفو العذراوية والنورية والجاروخية ولا يجوز ترك بعض الشهور كما لا يجوز تركُ كلها وبالجملة في واقعة ابن عساكر ما يهوِّنُ عنده واقعتنا والمسألة اجتهادية وابن عساكر رجلٌ صالح عالم والذي فعله دون ما فُعِل في عصرنا والذي يقتضيه نظري أنه لا يجوز وأكلُ المال فيه أكلٌ باطل وغيبتُه عن واحدة ليحضر أخرى ليس بعذرٍ فما ظنُّك بمن يغيبُ بالكلية

وقد اعتل بعض هؤلاء المفتين بأن الشيخ الإمام الوالد رحمه الله أفتى بما إذا مات فقيهٌ أو معيد أو مدرِّس وله زوجة وأولاد أنهم يعطون من معلوم تلك الوظيفة التي كانت له ما تقوم به كفايتُهم ثم إن فضلَ من المعلوم شيءٌ عن قدرِ الكفاية فلا بأسَ بإعطائه لمن يقوم بالوظيفة ذكره في شرح المنهاج في باب قسم الفَيء أخذا من قول الشافعي والأصحاب أن من مات من المقاتلة أعطيَت زوجته وأولاده قالوا فإذا كان هذا رأي الشيخ الإمام مع ما فيه من تولية مَن لا يستحقُّ وتعطيل الوظيفة فما ظنُّك بتولية مستحقٍّ ينوبُ عنه يقوم بالوظيفة

وأنا أقول إن هذا مما اغتفره الوالدُ رحمه الله بالتَّبعية وقد صرَّح بأنه لا يجوز ابتداءً توليَةُ مَن لا يصلح فكيف يجوز توليةُ من لا تمكِنه المباشرةُ ولا هو مغتفرٌ في جانب أبٍ له أو جدٍّ قد تقدمت مباشرته وسابقته في الإسلام

وقد أفتى ابن عبد السلام والنووي في إمام مسجدٍ يستنيبُ فيه بلا عذر أن المعلوم لا يستحقه النائب لأنه لم يتول ولا المستنيبُ لأنه لم يباشر وخالفهما الشيخ الإمام فيما إذا كان النائب مثل المستنيب أو أرجح منه في الأوصاف التي تطلب لتلكالوظيفة من علمٍ أو دين وقال في هذه الصورة تصح الاستنابةُ لحصول الغرض الشرعي واقتضى كلامه حينئذ جواز الاستنابة بلا عذرٍ وعندي فيه توقُّفٌ

وقد أشاع كثيرٌ من الناس أن الوالدَ كان يرى تولية الأطفال وظائف آبائهم مع عدم صلاحيتهم إذا قام بالوظائف صالحٌ ويرجِّحُهم على الصالحين وتوسَّعوا في ذلك ونحن أخبرُ بأبينا وبمقاصده ولم يكن رحمه الله رأى ذلك على الإطلاق إنما كان رأيه فيمن كانت له يدٌ بيضاء في الإسلام من علم أو غيره قد أثَّر في الدين آثارا حسنة وترك ولدا صالحا أن يباشر وظيفته من يصلُح لها وتكون الوظيفةُ باسم الولد ويقول التوليةُ توليتان تولية اختصاصٍ وتوليةُ مباشرة فالصبي يتولى تولية الاختصاص بمعنى أن تكون له خصوصية بها ويصرف له بعض المعلوم والصالح يتولى تولية يعني أنه يأتي بالمعنى المقصود من الوظيفة فيحصل غرض الواقف ومراعاةُ جانب الصغير إعانة لحقِّ أبيه ويقول أنا في الحقيقة إنما أوَلي المباشر وهو ذو الولاية الحقيقية

فقلتُ له فلم لا تُصرِّح له بالولاية

فقال أخشى على الطفل منه‏"‏ فإنه متى استقرَّت له لم يعطِ الصغير شيئا

فقلتُ له اجعلِ المباشر هو المتولي واشترِط عليه بعض المعلوم للطفل

قال يتأهَّل الطفل فلا يسلمه الوظيفة وأنا مُرادي أن الطفل إذا تأهَّل يسلم الوظيفة له

فقلت له فما الذي يثبُت للطفل الآن

قال ولايةُ الاختصاص بمعنى أنه يصير أحقَّ بهذه الوظيفة استقلالا من غير احتياجٍ إلى تجديد ولاية متى تأهل وآكلا لبعض المعلوم ما دام عاجزا

فقلتُ له أتفعلُ ذلك فيمن لا يمكنه التأهُّل كزوجة وبنت وابنٍ أيِسَ من أهليته

فقال لا بل الذين تركهم الميت أقسامٌ

منهم من يمكن أن يتأهل فهذا نوليه ولاية الاختصاص ثم أنا في النائب الذي أقيم له على قدرِ ما يظهر لي من أمانته إن عرفتُ من ثقته ودينه أنه متى تأهل الصبي سلمه وظيفته فقد أصرِّحُ له بالولاية المترتِّبة فأقول وليتُك مستقلا مدّة عدم صلاحية هذا الطفل للمباشرة على أن تصرِف عليه بعض المعلوم ووليتُ هذا الطفل ولاية معلقة بالصلاحية

قال وأنا أرى تعليق الولايات وقد لا أصرّح له خشية أن يموت والوظيفة باسمه فيأخذها من لا يعطي ذلك الطفل شيئا وهذه أمورٌ تخرج عن الضَّبط يراعي فيها الحاكم اجتهاده الحاضر ودينه ونظره في كل جُزئيّة

ومنهم من لا يمكن أن يتأهل كبنتٍ أو زوجة في إمامة مسجد أو ابنٍ أيِسَتْ أهليتُه فهؤلاء لا أوَليهم مطلقا لا معلقا ولا ولاية اختصاص وإنما أقول لمن أوَليه التزِم بالنَّذرِ الشرعي أن تدفع لهذا كيتَ وكيتَ ما دام كذا من معلوم هذه الوظيفة فيصير له استحقاق بعض المعلوم عليه بهذه الطريق

فقلتُ له فهذا كله فيمن سبقت لأبيه سابقة فما قولك فيمن لا سابقة لأبيه

قال إن كان فقيرا أفهمُ من نصِّ الشارع طلبَ إعانة مثلِه فعلتُ معه ذلك أيضا ولا أتركه يبيتُ جائعا قد عدِمَ أباه والرِّزق الذي كان يدخل عليه مع أبيه

إلى غير ذلك من تفاصيل كان يذكرها تقصُر عنها الأوراق الله أعلم بنيته فيها وقد كان الرجل متضلعا بالعلم والدين وغرضُنا مما سقناه أنه لم يُطلِق القول إطلاقا ولا فتَح للجهَّالِ باب التَّطرُّق إلى وظائف أهل العلم حاشاه ثم حاشاه لقد كان يتألم من ولاية الجُهَّال تألما لم أجد من غيره المعشارَ منه ويذكر من مفاسد ولاية الجاهل ومَن لا يُباشر ما يطول شرحُه وله فيه كلامٌ مستقلٌّ

هذا ما أعرفه منه وليس هو من الواقعة التي ذكرناها وقد كنتُ أعرِفه يُنكِرها بعينِها غاية الإنكار فإنَّ الجامع بين التدريسين المذكورين جمع بينهما في حياة الشيخ الإمام وأنكر الشيخ الإمامُ ذلك ولم تكن له قدرة على دفعه لأنه ذو جاهٍ خطيرٍ

ومن شعر الشيخ ابن عساكر

خَفْ إذا ما بِتَّ ترجو ** وارْجُ إن أصبحتَ خائفْ

كم أتى الدهرُ بعُسرٍ ** فيه للهِ لَطائفْ

خبرُ وفاته رحمه الله

وقد كانت مصيبة عامّة في الشام سائرة في بلاد الإسلام توفّي في العاشر من رجب سنة عشرين وستمائة وكانت جنازته مشهودة قل أن وجد مثلُها

قال أبو شامة أخبرني مَن حضر وفاته أنه صلى الظهر ثم جعل يسأل عن العصر فقيل له لم يقرُب وقتُها فتوضأ ثم تشهَّد وهوجالس ثم قال رضيتُ بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمدٍ نبيّا لقَّنني اللهُ حجَّتي وأقالني عثرَتي ورحِم غربتي ثم قال وعليكم السلامُ فعلمنا أنه حضرَته الملائكةُ فانقلب على قفاهُ ميّتا

ذكر بقايا من ترجمته

وكان الشيخُ فخرُ الدين ابن عساكر قد وقع بينه وبين الملك المعظم لأنه أنكر عليه تضمين المُكُوسِ والخمور فانتزع منه التقوية والصلاحية

وكان بينه وبين الحنابلة ما يكون غالبا بين رَعاعِ الحنابلة والأشاعرة فيُذكر أنه كان لا يمرُّ بالمكان الذي يكون فيه الحنابلةُ خشية أن يأثموا بالوقيعة فيه وأنه ربما مر بالشيخ الموفّق بن قدامة فسلم فلم يرُد الموفَّق السلام فقيل له فقال إنه يقول بالكلام النَّفسي وأنا أردُّ عليه في نفسي فإن صحَّت هذه الحكايةُ فهي مع ما ثبت عندنا من ورَعِ الشيخ موفَّق الدين ودينه وعلمه غريبة فإن ذلك لا يكفيه جوابُ سلامٍ وإن كان ذلك منه لأنه يرى أن الشيخ فخر الدين لا يستحقُّ جوابَ السّلام فلا كيد لمن يرى هذا الرأي ولا كرامة ولا تظُنُّ ذلك بالشيخ الموفَّق ولعل هذه الحكاية من تخليقات متأخِّري الحشوية

وجدتُ بخطِّ الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكَلَدِي العلائي رحمه الله رأيتُ بخطِّ الشيخ شمس الدين الذَّهبي رحمه الله أنه شاهد بخطِّ سيف الدين أحمد بن المجد المقدسي لمَّا دخلتُ بيت المقدِس والفِرنجُ إذ ذاك فيه وجدتُ مدرسة قريبة من الحرم -قلتُ أظنُّها الصلاحية- والفِرنجُ بها يؤذون المسلمين ويفعلون العظائم فقلتُ سبحان الله تُرى أي شيءٍ كان في هذه المدرسة حتى ابتليَتْ بهذا حتى رجعتُ إلى دمشق فحُكيَ لي أن الشيخ فخر الدين ابن عساكر كا يُقرئُ بها المُرشِدة فقلتُ بل هي المُضِلة انتهى ما نقلته من خطِّ العلائي رحمه الله

ونقلتُ من خطِّه أيضا وهذه العقيدةُ المُرشِدةُ جرى قائلها على المنهاج القويم والعقد المستقيم وأصاب فيما نزه به العلي العظيم ووقفتُ على جوابٍ لابن تيمية سُئل فيه عنها ذكر فيه أنها تُنسَب لابن تُومَرت وذلك بعيدٌ من الصِّحة أو باطل لأن المشهورَ أن ابن تُومَرتَ كان يوافق المعتزلة في أصولهم وهذه مباينة لهم انتهى

وأطال العلائي في تعظيم المرشدة والإزراء بشيخنا الذهبي وسيف الدين ابن المجد فيما ذكراه

فأما دعواه أن ابن تومَرتَ كان معتزليّا فلم يصِحَّ عندنا ذلك والأغلبُ أنه كان أشعريا صحيح العقيدة أميرا عادلا داعيا إلى طريق الحق

وأما قول السيف ابن المجد إن الذي اتفق إنما هو بسبب إقراء المرشدة فمن التعصُّب البارد والجهل الفاسد وقد فعلت الفِرنجُ داخل المسجد الأقصى العظائم فهلاَّ نظر في ذلك نعوذُ بالله من الخِذلان

ونحن نرى أن نسوق هذه العقيدة المرشدة وهي

اعلم أرشدنا الله وإياك أنه يجب على كل مكلفٍ أن يعلم أن الله عز وجل واحدٌ في مُلكِه خلق العالم بأسرِه العُلوي والسُّفلي والعرش والكرسي والسموات والأرض وما فيهما وما بينهما جميع الخلائق مقهورون بقدرته لا تتحرَّك ذرّة إلا بإذنه ليس معه مدبِّرٌ في الخلق ولا شريكٌ في الملك حيٌّ قيوم ‏{‏لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ‏}‏ ‏{‏عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ‏}‏ ‏{‏لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ‏}‏ ‏{‏وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ‏}‏ ‏{‏أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا‏}‏ ‏{‏وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا‏}‏ ‏{‏فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ‏}‏ قادرٌ على ما يشاءُ له الملك والغناء وله العز والبقاء وله الحكمُ والقضاء وله الأسماءُ الحسنى لا دافِعَ لما قضى ولا مانع لما أعطى يفعل في ملكه ما يريد ويحكم في خلقه بما يشاء لا يرجو ثوابا ولا يخاف عقابا ليس عليه حقٌّ ولا عليه حكم وكل نعمة منه فضلٌ وكل نقمة منه عدلٌ ‏{‏لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ‏}‏ موجودٌ قبل الخلق ليس له قبلٌ ولا بعدٌ ولا فوق ولا تحتٌ ولا يمينٌ ولا شِمالٌ ولا أمامٌ ولا خَلفٌ ولا كلٌّ ولا بعضٌ ولا يقال متى كان ولا أين كان ولا كيف كان ولا مكان كوَّن الأكوان ودبَّر الزمان لا يتقيد بالزمان ولا يتخصص بالمكان ولا يشغله شأنٌ عن شأن ولا يلحقه وهم ولا يكتنفه عقل ولا يتخصص بالذهن ولا يتمثل في النفس ولا يُتصوَّر في الوهم ولا يتكيف في العقل لا تلحقه الأوهام والأفكار ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ‏}

هذا آخر العقيدة وليس فيها ما يُنكِره سُنِّي

مسألة كتاب الصَّداق في الحرير

كان الشيخ ابن عساكر رحمه الله يفتي بجواز كتابة الصداق على الحرير وخالفه تلميذه شيخ الإسلام عزُّ الدين بن عبد السلام فأفتى بالمَنع وبه أفتى النووي إلا أنه عزا ذلك إلىتصريح أصحابنا ولم أجد ذلك في كلام واحدٍ منهم

1171 عبد الرحمن بن مُقبِل بن علي بن مُقبِل أبو المعالي الطَّحَّان

من أهل واسط تفقَّه ببغداد على علي بن أبي عليٍّ الفارِقي

قال ابن النجار برع في المذهب والخلاف وسمع الحديث من ابن كُليب وابن الجوزي وغيرِهما

واستنابه قاضي القضاة أبو صالح الجيلي على القضاء بحريم دار الخلافة وقلده الإمام المستنصر بالله قضاء القضاة شرقا وغربا ونظر الأوقاف وتدريس المستنصرية وقرِىءَ عهده بجامع مدينة السلام واستمرَّ على ذلك مدة ثم عُزِل

ولد سنة إحدى أو اثنتين وسبعين وخمسمائة ومات في ذي القعدة سنة تسع وثلاثين وستمائة

1172 عبد الرحمن بن نوح بن محمد شمس الدين المقدسي

مدرِّس الرَّواحية بدمشق

تفقَّه على ابن الصلاح وسمع من ابن الزبيدي وغيرِه

توفي في ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وستمائة

1173 عبد الرحمن بن يحيى بن الرَّبيع بن سليمان أبو القاسم بن الشيخ أبي علي بن الرَّبيع

من أهل واسط

قرأ الفقه والخلاف على والده وعلى أبي القاسم ابن فضلان

وتوجَّه رسولا من جهة الخليفة إلى غزنة ثم إلى خوارزم وحدث هناك بالإجازة عن أبي الفتح ابن البطِّي وأبي زُرعة المقدسي

مولدُه سنة ستين وخمسمائة وتوفي في شهر رمضان سنة اثنتين وستمائة

1174 عبد الرحمن بن أبي الحسن بن يحيى الدمنهوري عماد الدين

مولده بدمنهور الوحش من أعمال الديار المصرية في ذي القعدة سنة ست وستمائة

وتولى إعادة المدرسة الصالحية بالقاهرة

وتوفي في رمضان سنة أربع وستين وستمائة

وهو المُغرَى بالاعتراض على الشيخ في المهذب والتنبيه لا جرَم أنَّ الله أخمل ذكره

1175 عبد الرحيم بن إبراهيم بن هبة الله بن المسلم بن هبة الله بن حسَّان القاضي نجم الدين الجُهِني الحَمَوي ابن البارِزي قاضي حماة وأبو قاضيها

ولد بها سنة ثمان وستمائة وحدث عن موسى ابن الشيخ عبد القادر

سمع منه ابنه وغيره

قال الذهبي كان إماما فاضلا فقيها أصوليّا أديبا شاعرا له خبرة بالعقليات ونظرٌ في الفنون

قال وكان مشكورا في أحكامه وافر الديانة محبّا للصالحين

درّس وأفتى وصنَّف وتوجّه ليَحُجَّ في سنة ثلاث وثمانين وستمائة فمات في ذي القعدة بتبوك وحُمل إلى المدينة ودُقن بالبقيع

1176 عبد الرحيم بن عمر بن عثمان جمال الدين أبو محمد الباجُربَقيّ الموصلي

قال الذهبي شيخٌ فقيهٌ محقِّق نقَّال مهيب ساكتٌ كثيرُ الصلاة ملازم للجامع والاشتغال

شغل بالموصل وأفاد ثم قدِم دمشق وخطب بجامعها نيابة ودرّس بالغزالية نيابة وبالمدرسة الفتحية أصالة وله نَظم ونثر

وهو أبو محمد بن عبد الرحيم الباجُربقيّ المحكوم بإراقة دمه

توفي هذا الشيخ جمال الدين في شوال سنة تسع وتسعين وستمائة

1177 عبد الرحيم بن محمد بن محمد بن ياسين أبو الرضا سِبطُ أبي القاسم بن فضلان

قرأ الفقه على جده ثم سافر إلى الموصل وقرأ على أبي حامد محمد بن يونس ثم عاد إلى بغداد وتولى إعادة النظامية ثم تولّى أنظارا وأوقافا ورأس

مولده سنة ثمان وستين وخمسمائة وتوفي في صفر سنة ثلاثين وستمائة

1178 عبد الرحيم بن محمد بن محمد بن يونس بن ربيعة الموصلي تاج الدين بن رضي الدين بن عماد الدين

صاحب التعجيز مختصر الوجيز والنبيه في اختصار التنبيه ومختصر المحصول في أصول الفقه وشرح التعجيز لم يكمُل وشرح الوجيز ولم يكمُل أيضا فيما أظنُّ والتنويه بفضل التنبيه

وكان آية في القدرة على الاختصار ومن أحسن مختصرٍ له في الفقه كتابٌ سمّاه نهاية النفاسة قل أن رأيتُ مثلَه في عذوبة منطقه وكثرة المعنى وصغر الحجم وسأله الحنفيةُ أن يختصر لهم القدوري فاختصره اختصارا حسنا وهو عندي

مولده بالموصل سنة ثمان وتسعين وخمسمائة وكان بها إلى أن استولت عليه التتار فانتقل إلى بغداد ووليَ قضاء الجانب الغربي بها وببغداد مات سنة إحدى وسبعين وستمائة

ومن الفوائد عنه

ذكر في شرح التعجيز فيما لو أدخلت الصائمة أصبعها في فرجها أنها تفطر وكذلك ذكر ابن الصلاح في الفتاوى ووجهه أنها عين وصلت من الظاهر إلى الجوف في منفذ وحكى صاحبُ البحر في المسألة خلافا ذكره قبل باب صوم التطوع

وأفتى في كتاب نهاية النفاسة بخلاف المذهب في مسائل

منها قال لا يجوز للزوج النظر إلى الفرج والمذهب خلافه

ومنها قال في العِدّة الثالثُ استبراء أمته تحل له ولو حاملا خلافا للرُّوياني وهذا وهم انقلب عليه والذي قال الرُّوياني تبعا للمُزَنِي أنه إنما يجب استبراء الحامل والموطوءة فلا خلاف في وجوب استبراء الحامل

وحُكى أن القاضي نجم الدين البادرائى اجتاز بالموصل رسولا إلى حلب في سنة سبع وأربعين وستمائة فسأل فقهاءها هذه المسألة

أيا فقهاء العصر هل من مُخبِّرٍ ** عن امْرأة حلت لصاحبها عقدا

إذا طُلقت بعد الدُّخول تربصت ** ثلاثة أقراءٍ حدود لها حدا

وإن مات عنها زوجها فاعتدادها ** بقرء من الأقراء تأتى به فردا

فأجابه صاحب التعجيز

وكُنَّا عهدنا النجم يهدى بنوره ** فما بالُه قد أتهم العلَم الفَرْدا

سألت فخذ عنِّى فتلك لقيطة ** أقرت برق بعد أن نكحت عمدا

وذكر في التعجيز أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق على ألف إن شئت وقبلت كفى أحدهما وقد تكفى المشيئةُ وتعقبه القاضي شرف الدين ابن البارزي في التمييز وفخر الدين الصَّقلي في التخيير

وقال هو -أعني ابن يونس- في شرح التعجيز إنَّ الاكتفاء بأحدهما رأيٌ لفَّقه الغزالىُّ من وجهين حكاهما إمامه أحدهما تعين شئت والثاني تعين قبلت وهو كما قال

ثم قال ابن يونس ويكفي في صورة المسألة أن يقول أنتِ طالق إن شئت أمَّا قوله وقبلت ففرضه في الوجيز والوسيط دون البسيط والنهاية والتَّتِمَّة وغيرها وعندي أنه يقتضي الجمع بين القبول والمشيئة وجها واحدا لأنه صرح بشرطها انتهى

قلتُ وهو عجيب فلم أرَ في شيءٍ مما وقفت عليه من نسخ الوجيز والوسيط لفظ وقبِلتِ وليس إلا أنت طالق بألف إن شئتِ كما في البسيط والنهاية والتتمة

وقولُ ابن يونس إنَّ وقبلتِ يقتضي الجمع بينهما متجه ويحتمل أن يطرقه خلافٌ لأن لفظ المشيئة يتضمن القبول وبالعكس غير أنه يكون خلافا مرتبا على الخلاف في الصورة المنقولة

وقال في شرح التعجيز في باب الخُلع أيضا إن جده عماد الدين صحَّح في شرح الوجيز أن الإقباض يقتضي التمليك كالإعطاء

قلتُ وأنا أميل إلى هذا الترجيح غير أن المرجَّح في المذهب أن الإعطاء يقتضي التمليك بخلاف الإقباض

قال ابن يونس والإيتاءُ كالإعطاء

قلت وفي هذا نظرٌ بل الذي يظهر أن الإيتاء كالدفع والإقباض قال الله تعالي ‏{‏وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ‏}‏ وأراد بالإيتاء الدفع بدليل قوله تعالى ‏{‏فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ‏}

قال في شرح التعجيز في موقف الإمام والمأموم المدارسُ والرُّبُط كالدُّورِ عند المراوِزَة وكالمساجد عند العراقيين انتهى

وهذا شيءٌ غريبٌ لعله سبق قلمٍ والمعروف أن حكم المدارس والرُّبُطِ حكمُ الدُّورِ من غير خلافٍ

1179 عبد الرحيم بن نصر بن يوسف بن مبارك

الفقيهُ المحدث صدر الدين أبو محمد البعلبكي قاضي بعلبَك كان فقيها زاهدا ورِعا محدثا نبيلا له يدٌ في النَّظم والنثر

تفقه على ابن الصلاح وسمع من الكِندي والشيخ الموفَّق وجماعة

وصاحَب الشيخ الصالح عبد الله اليونيني

وكان له حالٌ ومكاشفة وقيل إنه لمَّا وليَ قضاء بعلبك كان يحمل العجين إلى الفرن ويحكى عنه كراماتٌ كثيرة

وكان يؤمُّ بمدرسة بعلبك

مات وهو في السَّجدة الثانية من الركعة الثالثة من الظُّهر سجدها فانتظره من خلفه أن يرفع رأسه ثم رفعوا رؤوسهم وحركوه فوجدوه ميتا وذلك سنة ست وخمسين وستمائة

ورثاه ابن المقدسي بقوله

لِنقدِكَ صدرَ الدين أضحتْ صدورُنا ** تضيق وجازَ الوجدُ غاية قدرِه

ومَن كان ذا قلبٍ على الدين منطوٍ ** تفتَّت أكبادا على فقدِ صدرِه

1180 عبد السلام بن علي بن منصور

قاضي القضاة تاج الدين ابن الخرَّاط قاضي الديار المصرية أبو محمد الكتَّاني الدمياطي

مولده سنة إحدى وسبعين وخمسمائة

قرأ القرآن بدمياط بالروايات على السيد الكبير عبد السلام بن عبد الناصر بن عُدَيسة

ورحل إلى بغداد وتفقه بالنظامية وسمع من ابن كُليب وابن الجوزي وأبي طاهر المبارك بن المبارك بن المعطوش

ورحل إلى واسِط فقرأ بها القراءات على أبي بكر بن الباقلاني

وعاد إلى دمياط ووليَ القضاء بها والتدريس مدة ثم قضاء القضاة بمصر وأعمالها من الجانب القبلي

وحدث بدمياط ومصر روى عنه الحافظ زكي الدين عبد العظيم وخرَّج له جزءا

وقد عزل بالآخرة عن قضاء مصر ووليَ قضاء دمياط

مات سنة تسع عشرة وستمائة

1181 عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل بن علي بن عبد الواحد قاضي القضاة جمال الدين أبو القاسم بن الحرستاني الأنصاري الخزرجي العُبادي السعدي الدمشقي

أحد الأجلة من الفقهاء البارعين في المذهب الزاهدين الورعين وكان من قضاة العدل رحمه الله

ولد في أحد الرَّبيعين سنة عشرين وخمسمائة

وسمع الحديث من عبد الكريم بن حمزة وطاهر بن سهل بن بشر الإسفرايني وجمال الإسلام أبي الحسن علي بن المسلم ونصر الله المصِّيصي وهبة الله بن أحمد بن طاوس وأبي القاسم الحسين بن البُنِّ وأبي الحسن علي بن سليمان المرادي وخلائق وتفرَّد بالرواية عن أكثر شيوخه

وحدث بالإجازة عن أبي عبد الله الفُراوي وهبة الله بن السَّيدي وزاهر الشَّحَّامي وعبد المنعم القشيري وغيرهم

سمع منه أبو المواهب بن صَصْرى وغيره من القدماء

وروى عنه البِرزالي وابنُ النجار والحافظ الضياء وابن خليل والحافظ زكي الدين عبد العظيم وابن عبد الدائم وأبو الغنائم بن علان وخلائق يطول سردُهم

وروى عنه من القدماء الحافظان عبد الغني وعبد القادر الرُّهاوي

تفقه بحلب على أبي الحسن المُرادي ورحل إليه

ووليَ القضاء بدمشق نيابة عن أبي سعد بن أبي عصرون ثم وليَ قضاء الشام في آخر عمرِه سنة اثنتي عشرة

وعُمِّر دهرا طويلا وكان أسند شيخٍ في هذه الديار

ويقال إن شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام قال لم أرَ أفقه منه

قال أبو شامة وسألته أيهما أفقه الشيخ فخر الدين بن عساكر أو ابن الحرستاني فرجَّح ابن الحرستاني وقال إنه كان يحفظ وسيط الغزالي

قال أبو شامة لما وليَ القضاء محيي الدين بن الزكي لم ينُب عنه وبقي إلى أن ولاه الملك العادل القضاء وعزل قاضي القضاة زكي الدين الطاهر وأخذ منه المدرسة العزيزية والتقوية وأعطى العزيزية مع القضاء لابن الحرستاني والتقوية للشيخ فخر الدين بن عساكر

وكان ابن الحرستاني يجلس للحكم بالمُجاهدية وناب عنه ولده عماد الدين ثم شمس الدين أبو نصر بن الشِّيرازي وشمس الدين بن سَني الدولة وبقي في القضاء سنتين وسبعة أشهر وتوفي وكانت له جنازة عظيمة

وكان قد امتنع من الولاية لمَّا طُلِب إليها فألحوا عليه واستغاثوا بولده حتى أجاب

وكان صارما عادلا على طريقة السلف في لباسه وعِفَّته اتفقوا أنه لم تفُته صلاة بجامع دمشق في جماعة إلا إن كان مريضا

1182 عبد العزيز بن أحمد بن سعيد الدميري الديريني

الشيخ الزاهدُ القدوة العارفُ صاحب الأحوال والكرامات والمصنَّفات والنَّظم الكثير نظم التنبيه والوجيز وغريب القرآن وغير ذلك وله تفسيرٌ في مجلدين منظوم

قال شيخنا أبو حيان كان متقشِّفا مُخشوشِنا يتبرّك به الناس انتهى

وكان الشيخ عبد العزيز مترددا في الريف والنواحي من ديار مصر ليس له مستقرٌّ

مولده سنة اثنتي عشرة أو ثلاث عشرة وستمائة وتوفي سنة أربع وتسعين وستمائة

وكان سليم الباطن حسن الأخلاق حكي أنه دخل إلى المحلة الغربية في بعض أسفاره وعليه عمامة متغيرةُ اللون فظنَّها بعض من رآه زرقاء فقال قل أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فقالها فنزع العِمَّة من رأسه وقال له اذهب إلى القاضي لتُسلِمَ على يديه فمضى معه وتبعهم صبيانٌ وخلق كثير على عادة من يُسلم فلما نظره القاضي عرفه فقال له ما هذا يا سيدي الشيخ قال قيل لي قل الشهادتين فقلتهما فقيل امضِ معنا إلى القاضي لتنطق بهما بين يديه فجئت

وله كتاب طهارة القلوب في ذكر علاَّم الغيوب كتاب حسنٌ في التصوُّف وكان يعرِف علم الكلام على مذهب الأشعري

ومن كلامه في طهارة القلوب إلهي عرَّفتنا بربوبيتك وغرَّقتنا في بحار نعمَتك ودعوتنا إلى دار قدسك ونعَّمتنا بذكرك وأنسِك

إلهي إنّ ظلمة ظُلمنا لأنفسِنا قد عمَّت وبحار الغفلة على قلوبنا قد طمَّت فالعجز شامل والحصر حاصل والتسليم أسلم وأنت بالحال أعلم

إلهي ما عصيناك جهلا بعقابك ولا تعرُّضا لعذابك ولكن سوَّلت لنا نفوسُنا وأعانتنا شِقوتُنا وغرَّنا سترك علينا وأطمعنا في عفوِك بِرُّك بنا فالآن من عذابك من يستنقذنا وبحبل من نعتصم إن قطعت حبلك عنّا واخَجلَتَنا من الوقوف غدا بين يديك وا فضيحتنا إذا عُرِضت أعمالنا القبيحة عليك

اللهم اغفر ما علمت ولا تهتِك ما سترت

إلهي إن كنّا عصيناك بجهلٍ فقد دعوناك بعقل حيث علِمنا أنَّ لنا ربّا يغفر الذنوب ولا يبالي

وله مناجاة حسنة

ومن شعره

اقتصِد في كل حالٍ ** واجتنب شُحا وغُرما

لا تكن حلوا فتُؤكل ** لا ولا مرا فتُرمى

ومنه وكنتُ أسمع الحافظ تقي الدين أبا الفتح السُّبكي ابن العمِّ رحمه الله ينشده وأحسبه روى لنا عن جده عمِّ أبي الشيخ صدر الدين يحيى السُّبكي عنه

اللهُ ربّي وحسبي ** الله أرجو وأحمدْ

وشافعي يومَ حشري ** خيرُ الخلائق أحمدْ

صلى عليه إلهي ** أوفى صلاة وأحمدْ

ومالكٍ والحنيفي ** والشافعي وأحمدْ

وسيدي ابن الرِّفاعي ** قطبِ الحقيقة أحمدْ

هذا مقالُ الدميري ** عبد العزيز بن أحمدْ

ومن شعره

إذا ما مات ذو علمٍ وتقوى ** فقد ثُلِمَت من الإسلام ثُلمَه

وموتُ العادل الملكِ المُرَجَّى ** حكيم الحقِّ منقصَة ووصمَه

وموتُ الصالح المرضيّ نقصٌ ** ففي مَرآهُ للإسلام نَسمَه

وموتُ الفارس الضِّرغام ضَعفٌ ** فكم شُهِدتْ له في النَّصرِ عزمَه

وموتُ فتىً كثيرِ الجودِ محلٌ ** فإنَّ بقاءهُ خِصبٌ ونعمَه

فحسبُك خمسة تبكي عليهم ** وموتُ الغيرِ تخفيفٌ ورحمَه

ومنه تخميس أبياتِ التِّهامي

سلم أمورك للحكيم الباري ** تَسلَم من الأوصابِ والأوزارِ

وانظرْ إلى الأخطارِ في الأقطارِ ** حكمُ المشيئة في البريّة جارِ

ما هذه الدُّنيا بدارِ قرارِ **

لذَّاتُ دنيانا كأحلام الكرى ** وبلوغُ غايتها حديثٌ مُفتَرَى

وسرورُها بشرورِها قد كُدرا ** بَينا يُرى الإنسانُ فيها مُخبِرا

ألفَيتَهُ خبرا من الأخبارِ **

ازهَد فكل الرَّاغبين عبيدُها ** والزاهدُ الحَبرُ التقي سعيدُها

ولقد تشابه وعدُها ووعيدُها ** طُبِعَتْ على كَدَرٍ وأنتَ تُريدُها

صفوا من الأقذارِ والأكدارِ **

لا تغترِرْ بوميضِها وخِداعِها ** فوراءَ مبسِمها نُيوبُ سِباعِها

إذْ لم تُعرَّفْ فِترَها من باعِها ** ومكلفُ الأيام ضد طِباعِها

متطلبٌ في الماءِ جذوة نارِ **

لا ترجُ من حربِ المطالب مغنَما ** ولربّما جرَّ التخيلُ مغرَما

وإذا رضيتَ الحكم عشتَ مكرَّما ** وإذا رجوتَ المستحيل فإنما

تبني الرَّجاءَ على شفيرٍ هارِ **

الدهر يمضي والحوادثُ جمّة ** والرِّفق هَينٌ والتكالُبُ لحظة

والصبرُ لَينٌ والتسخُّطُ غِلظَة ** والعيشُ نومٌ والمنيةُ يقظَة

والمرءُ بينهما خيالٌ سارِ **

أعمارُكم تمضي بسوفَ وربما ** لا تغنمون سوى عسى ولعلما

همُّ المسوِّف كالتّعلق بالسَّما ** أيامُكم تمضي عِجالا إنّما

أعمارُكم سفرٌ من الأسفار **

وترقبوا قربَ الرحيلِ وحاذِروا ** فوتَ المرام فللورودِ مصادرُ

ودعوا التّعلل والفتورَ وصابروا ** وتراكضوا خيلَ الشّباب وبادِروا

أن تسترد فإنهُنَّ عَوَارِ **

طمسَ الزمانُ معاهدا ومعالِما ** ومحا بغيهبه البهيم مكارِما

وأذال ما بين الأنام مراحِما ** ليس الزمانُ وإن حرَصتَ مسالِما

خلق الزمان عداوة الأحرار **

ومن شعره في المثلث مربع

أراعي النبت من أب وحب ** وأشهد في الوجود جمال حب

وأذهل سكرة من فرط حب ** وكم أهدى النسيمُ إلي عطرا

بقاعَهُم سقيت غزيرَ قطرِ ** ولا سُقيَت عداتك غير قطر

لقد أهدى نسيمك كل قطر ** فبث مسرة وأزال عذرا

تجافاني الكرى لما جفاني ** كأن بالكرا أحزان عانى

أردد كالكرى بين المعاني ** حليف الشوق لا يحتال فكرا

ثملتُ وما مدامي غير ظلم ** وجوب البيد مختلطا بظلم

لئن حكمتُ عواذلُنا بظلم ** لقد جاءوا بما أبدوهُ نُكرا

جِراحٌ في الفؤادِ كلذع منَّه ** وأنفاسُ الرجالِ أحل منَّه

وما أبقى الهوى للصبِّ مُنَّه ** لقد تلِفَت به العشّاق طُرّا

حديثك في اللها والسَّمع أحلى ** فخفِّف في اللهى ما الهجرُ سهلا

فعادتُك اللهى والجودُ هلاَّ ** وعادتي الثناءُ عليك شُكرا

خلوتُ مع الرّشا من بين أهلي ** وقد وصل الرِّشا منه بحبلي

وما قبِل الرُّشا في تركِ وصلي ** ولقَّي مَن أتى باللوم هجرا

دعوني إنني بعتُ العقارا ** وراقبتُ المحبِّين العِقارا

وبي سكرٌ ولم أشرب عُقارا ** وعاينتُ الهوى خَبرا وخُبرا

ذروا مَن شأنه نشرُ الزجاج ** وجافى بالصَّوارِم والزجاجِ

ولم يحتجْ إلى بنت الزُّجاج ** ولم يبعد عن العزماتِ حِذرا

رِضاكم جنتي يا أهل وُدي ** فداووا جِنَّتي بصحيح وعدِ

فأنتم جنتي من كل بُعدِ ** ومنكم أرتجي رِفقا وجَبرا

زماني للقرا قد ضر وَهْنَا ** وقد منع القرَى فبقيتُ مُضْنى

ومالي في القرى يا صاحِ سُكنى ** وفي ليلي أراعي النجمَ فِكرا

سلكتُ من التَّغَرُّب كل عَرْس ** ولم أسكن إلى إنْسٍ بعِرسي

وليس مسرَّتي بحضورِ عُرس ** وهل يُدعى الغريبُ سِوى ابن بجرا

شُغِفْتُ بمجلسٍ ما فيه لجة ** وخِل مُسعِفٍ ما فيه لِجَّه

يخوضُ من المكارم كل لُجَّه ** ويسلُك في الوفا بَرّا وبحرا

صِحابي أدْلَجوا حُبّاَ وحَبْوَهْ ** ولم يُعطوا الجوارِحَ غيرَ حِبْوَه

ومن زُفَّت رليه البِكرُ حُبوَه ** فلا يرضى بغير الرّوحِ مَهرا

ضَلالُ الحبِّ إرشادٌ ورَمَّه ** ولو عادت به الأوصالُ رِمَّه

فإن سمح الحبيبُ بوصلِ رُمَّه ** فلا أشكو من الأيام فقرا

طلولُ الحبِّ إن عمَرتْ فعندي ** عهودُ صبابة عمرتْ بوجدي

وإن عمُرَتْ منازلُنا بهندِ ** لقد شرحتْ من الصَّدرين صَدرا

ظمئتُ إلى وفي العهدِ برِّ ** يعاملني بمعروفٍ وبِرِّ

ومن يطمع من الصَّمّا بِبُرِّ ** يجد في الكد حلوَ العيشِ مُرّا

عهِدتُ ببانة الجرعاءِ ثلهْ ** ولم أعهد بذاك الحي ثِله

وكم سكنتُ بوادي الشِّيح ثُله ** وقد عاينتُ ذاك الحي قفرا

غدوتُ وقد أصاب الرَّسمَ وقرُ ** وأثقلني من الأشواق وِقرُ

وقومٌ لم يذوقوا الحبَّ وُقرُ ** يضيق بهم فؤادُ الصَّبِّ حرّا

جنى وجدٍ به قد هام قلبي ** وصيرني الغرامُ كمثلِ قلبِ

فيا شغَفَ الفؤادِ بذاتِ قلْبِ ** ولا في الشَّيخِ للأشواق مسرى

قنَعتُ من الزمانِ بسد خَله ** ووكزٍ في الفلاة بغيرِ خِله

وإن ألفيتُ ذا ودٍّ وخُله ** بذلتُ له الوفا علنا وسِرا

كتبتُ بأدمُعي في الخد خَطَّه ** ولم أسلك إلى السُّلوان خطَّه

ولي في مذهبِ العُشَّاق خُطَّه ** حلَتْ لهما سُوَيْدا القلبِ خِدرا

لمحبوبي علي الدهر حقُّ ** رِضا إذ سار في البيداءِ حِقُّ

إذا ما غاب فالأوطانُ حقُّ ** ولو أني ملكتُ بلاد بُصرى

مضى زمني وقد عاينتُ خلْفا ** تُرى ضَرْعى ولم تحتاج خِلفا

وإن وعدوا ترى مَينا وخُلفا ** وإن حكموا ترى في الحكم أمرا

نصيبي من وفا الإخوانِ خَرْصُ ** كلامٌ طيبٌ والسِّرُّ خِرصُ

كأنَّ العذرَ في الآذانِ خُرصُ ** معاذَ اللهِ لا أختارُ عُذرا

هي الدنيا أشبِّهُها بخَبرِ ** وأرضٍ ذاتِ أشجارٍ وخِبرِ

وإن عاينتَها بصحيح خُبرِ ** تجد شاماتِها يا صاحِ حَمرا

وهل يرضى الفتى سِمَنا بذبحِ ** ولم يرَ في حِماها غيرَ ذِبحِ

ومَن يقنَع كُفيتَ برعي ذُبحِ ** يجد عُقباه تعنيفا وزْجرا

لأحبابي بوادي الأَثْلِ رَبْعُ ** ووردي ماءَ ذاك الحي رِبْعُ

فحظِّي كل يومٍ منه رُبعُ ** ظمئتُ فليته لو كان شَطرا

يُساعدني على العزماتِ رَسْلُ ** ويكفيني من الأقواتِ رِسْلُ

ومالي نحو أهلِ الحي رُسْلُ ** فيا مولايَ هبْ عفوا ونصرا

وجُدْ وارحَم وصَل على الرَّسولِ ** محمدٍ المؤيدِ بالدليلِ

وِعِتْرَتِه أولي القدرِ الجليلِ ** وسائرِ صحبِه السَّامينَ قدرا

وجُد بالعفو يا مولى الموالي ** على عبدِ العزيز فلا يُبالي

إذا أنعمتَ يوما بالنَّوالِ ** تَبدل كل هذا العُسرِ يُسرا